من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 21
تطوان : مصطفى منيغ
لي مع العزيزة "وجدة" ألف حكاية عن ألف موقف، مهما عن إحْدَاهَا أو أحَدِهَا أقف ، أتمنَّى أن أعيدها كلَّها ولمتعتي الشخصية أُزِفّ ، دون لأي منها أَحذِف ، على استرجاع بعضها الدمع في مقلتاي لا يجفّ ، ومِن ضمنها البِعاد منها مهما كان الاتجاه لمشاغل أخرى عنها لا يحذِف . جمْعُها لا يستحمله حجم تَكثيف ، وتركها بالمرة يولّد التيه المخيف ، بين دروب حياة لها في تلك البقعة الطيبة أكثر من رسْمٍ وليف ، داخله مَن كان نِعم أليف ، أو على مرحلة ما شابه الحَمَلَ الرائع الحُسْنِ خفيف ، أو قمراً في نهارٍ لا ضوء فيه لزائِف ، أمام محنَّك لكل تقليد مُصطنع عارف .
"وجدة" مدرسة الدَّهْر ، الحامية للمغرب في شرقه الظَّهْر، الرَّاسية على تِلالٍ صحبة صالحين كرائمهم بقطرات ماء أضخم نَهْر ، يجودون بها مَن قَصَدَ المَقام ليحميه مِن الوَهَر، واتَّقَّى بنبلِ شرفائه مِن القَهْر. وصلتُها مُثقلاً بعواطف الشوق وحنين لا يُقارَنُ تأثيره السعيد لشريكة وجودي المنتظرة إياي في "عين بني مَطْهَر" ، تترقَّب عودتي بالدقائق منذ مغادرتي لمصيرٍ مَجهولٍ آخر مطافه لقاء لا فراق بعده أو فراق لا لقاء يليه كضوء بعد إبْهار، فتاة كانت بين شريفات قبيلة ، الإخلاص كرويات مضافة للبيضاء والحمراء في دمائهن ، لا يعرفن غير الارتباط الأول بما اعتبرناه مصير بقائهن في الدنيا لغاية لقاء وجه رب كريم ، لا يتصورن التخلّي عمَّن وهبن له أغلى ما يملكن على سنة الله ورسوله ، فتمتعن بالتوقير وضرب أسمى الأمثلة لوفاء لا زيغ يتخلله ولا نفاق يلتف حتى بالقرب منه ، مهما كانت الحيل شيطانية حول نقاوة قيمه النبيلة ، وأعرافه الأصيلة البسيطة في متانة لا صَعْبَ يغلبها ، ولا إغراء (مهما كان) يبعدها عن الأصل الأصيل لجوهرها . "حليمة" كان هذا اسمها ومتحمّلة ما شدها الصبر للانتصار على الشدائد مهما دأبت في اتجاهها تفتتت قبل مس طرف من هندامها الدائم النظافة .
... مع خيوط الفجر الأولى أخذتُ دراجة هوائية واتَّجهتُ صوب طريق "المْرِيجَة ْ" حيث المركز المُمَيَّز لقبيلة "أولاد سيدي اعْلِي بُوشْنَافَة" التي تربطني وبعض كبرائها مودة وصداقة إلى يومنا هذا ، في مكان غير بعيد أفرغ لي أحد أصهاري خيمة لأعتكف داخلها مؤلِّفاً و مفكراً ، دون مشارك يقطع عني ذاك الهدوء المساعد خيالي على ابتكار تصوير مشاهد المسرحية التي أتحمَّل مسؤولية كتابتها بما يناسب المقاييس المُتَّفَق عليها مع المنتظرين عودتي للجزائر العاصمة باهتمام بالغ ، لكن قبل البداية فتحتُ الغلاف (الذي طلبت مني الإنسانة التي رافقتني لغاية وهران ورجل الأمن "عبد القادر" الذي ما صدَّقته وهو يقدمها لي كإحدى أفراد عائلته) لأطَّلع عما بداخله في القطار ولم أفعل ، حتى لا أُعطي الفرصة لمن عساه يراقبني في نفس المقصورة فيفسِّر العامل لصالح ما يفسره بلغة المخابرات ، مسجّلاً ما يؤكد أن الأمر يستوجب توضيح ما بداخله من "إنَّ" وما يترتب عن ذلك من تَعقُّبِ خيوطٍ قد تمتَّد لما لا يُحمَدُ عقباه بالنسبة لي ، ما دامت كل حركة في غير محلها صادرة مني تُحسبُ عليَّ ، تَتجمَّعُ مع أخريات ليقع ما لم يكن في الحُسبان ، وأنا في وسط المعمعة أجاهدُ للوثبة ما قبل الأخيرة ، لإنتاج العملية الهدف وأرتاح بعدها كلّية . فتحتُ الغلاف لأسحب الصورة وأتيقن أن صاحبتها ليست بالغريبة عني ، وإن كنت حقيقة لا أتذكر أين وكيف التقيت بها ، انتقلت إلى الرسالة لأقرأ : عزيزي مصطفى منيغ ، تحولتُ إلى عمِيلَةٍ في المخابرات الجزائرية تحت إمرة مَن ادَّعَى لك أنه عبد القادر والحقيقة أن اسمه (...) ، كُلِّفتُ بالسفر على متن نفس القطار بالهيأة التي رأيتني بها في السيارة محجبة ، لأراقبكَ في "وجدة" كظلّك ، أنت في حاجة للتركيز في الصورة حتى تتذكر تلك الفتاة التي شاركَت في إحدى حلقات برنامج "ألحان وشباب" ، الذي يعدّه الأستاذ الفنان الفاقد البصر، "مُعْطِي بَشِير" وكنتَ أنت مِن بين الحُكام (في تلك الحلقة المذاعة تلفزيونياً مباشرة على الهواء) المسؤولين عن اختيار الأصوات الواعدة المستحقة الفوز بالدرجات الثلاثة في المسابقة الغنائية تلك ، بصفتك (كما قدَّمتك المذيعة ليلى) الملحن والفنان المغربي الذي له إسهامات غنائية بالإذاعة الجزائرية وخاصة القطعة الملحنة والمغناة من طرفك وأيضا كاتب كلماتها ، اسمها "الجزائر بلادي الغالية" وكانت مِن أنجح الأغاني الوطنية ساعتها ، حاولتُ الاتصال بك أزيَدَ من مَرَّة لكن بلا فائدة ، ولما التحقتُ بالجهاز مؤخراً سمعتُ الحديث يدور عنك فأخبرتُ أحد رؤسائي أنني أعرفك لأخبره بنفس القصة ، ومِن وقتها حمَّلوني مسؤولية تقصي أخبارك أولا بأول ، إلى أن عثرتُ على سيدة اسمها جليلة عابد التي مدتني بتفاصيل ساعدتني على دراسة شخصيتك ، ومحاولة تطويع ما عَلِمْتُهُ عنك ، في التقرُّبِ منكَ أكثر وأكثر، حتى اقنعَ الجهاز بسبب تشبثك بالبقاء داخل الجزائر ، وأنت بما تتوفَّر عليه من إمكانات ثقافية وقدرات فكرية ، ما يجعل منك أستاذاً ناجحاً في ذات المجال بالمغرب مع أهلكَ وبين أصدقائكَ . في "وجدة" سأستقرّ بالعنوان التالي:(...) المرجو الاتصال بي لأوضّح لك المزيد، وأطلعك عن سرّ إفشاء مَن أكون وطبيعة مهمتي لكَ، وأنت تعلم عقاب مَن يفعل ذلك من تلقاء نفسه حينما يُتَّهم بالخيانة ليلتفَّ حول رقبته حبل المشنقة ، هناك أسباب جعلتني أثق بك مثل الثقة العمياء ، مقابل ذلك لي طلب بسيط أريدكَ أن لا تبخل به عليَّ ، في مقدورك انجازه لصالحي ، حالما تزورني في العنوان الذي كتبته لك سأخاطبك في شأنه جملة وتفصيلا ً ، بالإضافة لمعلومات قيمة تخصك ستساعدك إن فكرتَ الرجوع للجزائر. لا تنسى إحراق الرسالة والغلاف والصورة ، إلى اللقاء أستاذي العزيز.
الاستقرار على هدف مُعَيَّن ، لغاية مضبوطة بتخطيط علمي منطقي مقبول ، يقضي عدم الاكتراث بما يؤخر المسير إلى تحقيقه ، في المكان المختار مهما كان ، والزمان المُحدَّد على موقع الأخير (المعروف آنذاك) بالثانية . الرسالة التي قرأتها مُدَبَّرة بتقنيةٍ بدائية مُرتَّبة أسلوباً وموضوعاً ، على معلوماتٍ الغرض منها إزاحتي عن الخط الذي رسمْتُه بعناية ، وتبديله بآخر يؤدِّي لأرضية المخابرات الجزائرية ، بواسطة مصيدة حبكتها عقلية غير مطَّلعة بالحجم الكافي على آليات تخصّ مثل الحالات ، ممَّا يؤكد أن موقفي داخل الجزائر سليم من كل ما قرَّرتُه وتحرَّكتُ في إطاره حتى تلك الآونة ، فكان لزاماً الرد بتجاهل الرسالة والفتاة التي مدتني بها تجاهلاً تاماً ، ممَّا يمحي أي أثر يدل أنني انسقتُ وراء الحيلة الصبيانية التي أراد بها ذاك الجهاز جري لملعبه بكيفية لا ترقى أبداً لمستواه الأمني داخل دولة تعتقد أنها الأقوى في الميدان على امتداد المغرب العربي الكبير .
... أنهيتُ في ثلاثة أيام كتابة النص المسرحي في فصلين يتخلَّلهما عشرون مشهدا ، لِعَرْضٍ يستغرق الساعتين ، إحداها لاسترجاع الماضي وصولا للحاضر قبل انطلاق المسيرة الخضراء ، و الساعة الثانية مُستغرِقَة في مظاهر الإخفاق المغربي ، وما ترتَّب عليه من انتصار للرؤية البُومدِينية ، الذاهبة بحفنة من مرتزقة تمَّ استغلال ما أسّسوه في مدينة كُولْمِيمْ المغربية ، برئاسة مصطفى الوالي ، للإعلان عن إقامة دولة تشارك الجزائر في تغيير جغرافية أراض يخسرها المغرب ، وتربح بها الجزائر أداة تَنَفُّسٍ تزيد من حجم رئتيها ، وجسدها الرسمي ممدَّد على شاطئ الضفة الشرقية مِن المحيط الأطلسي . لأمُرّ إلى مرحلة البحث عن ممثلَيِنِ مغربيين اصطحبهما معي خلال عودتي للجزائر ، عثرتُ على الأول بيسر نظراً لعلاقة الصداقة الرابطة بيننا من سنين على المحبة الأخوية المُتبادلة ، والمشاركة الفعلية في مجال عشق الفنون المسرحية ، والبحث العلمي في عالمه الفضفاض القابل لما يضيف لمتطلباته الجاعل منه يستحق لقب أب الفنون جميعها ، تعلَّق الآمر بالتأليف وفق رؤى إبداعية غير مسبوقة ، أو إخراج ينأى عن المألوف من حيث الحركة وانبعاث الحوار من صدور المشخِّصين أصواتاً منسجمة مع الجو ، المساهمة في إقامته ديكورات تُلهم المتتبّع بفهم وقائع تستعرض ما وقع في حيز رغم ضيقه يتحوَّل لسعة تُنبِئ بالوارد وقوعه خيراً كان أو شراً ، حسب الفكرة / العمود الفقري ، القائمة عليها المسرحية عامة . أجل عثرت على الأول ولم يكن سوى مَن لقَّبتُه ذات يوم بعميد المسرح "الوجدي" ،رئيس فرقة المسرح البلدي ، ومخرج ما قدمت منذ أعوام ، وجدته في مقره فوق سطح السوق المغطى ، منهمك في التفكير كعادته كلما ضاقت به سبل الحياة وعكَّرت مجازه تلك الإمكانات التي غيَّبها النحس لِما حسِبه دهراً لزم حاله ، وأقسم أن لا يرحل أبدا ، ما أن رآني حتى تغيَّرت ملامح محياه وكأنّ الدم عاود الجريان في شرايينه من جديد ، بفرط السعادة التي أرغمته على ترك ما كان عليه من ضيق وعبوس ، ذهبنا معا إلى المقهى المقابلة كانت للمحكمة الابتدائية القريبة من الإذاعة الجهوية ، نفس المقهى التي أطلقتُ عليها بحضوره فبل الغياب لبضع سنين اسم "مقهى البؤساء" على حال معظم روادها من تلك الطبقة المحرومة من كل شيء إلاّ التوجُّه لعين المكان للاسترخاء المجاني ، انتظاراً لفرجٍ طال ترفّعه عن الحضور أكثر ما كانوا يأملون عكس ذلك ، أو يمنُّون أنفسهم بأمل هم متيقنون أنه غاضب عليهم لأسباب يعرفونها ويتجاوزون (عن قصد) حتى التفكير في التخلص منها . هناك فاتحت الأخ الصديق (بنيحيى العزاوي) بحديث أقحَمَهُ لإصغاءٍ شديد الاهتمام:
- سأمنحك َفرصة العمر ، بل سأمهِّد لك طريقاً ما كنتَ َ تحلم للمشي فوقها لحظة في حياتك ، طريقا توصلكَ لباب التاريخ المفتوح لك سيكون ، لتلِجه مُحققِّاً ما تمنيتَ أن تحقِّق ولو جزءا بسيطاً منه ، طريقاً من الصعب أن يُعبَّد مرة أخرى خصيصا على قياس خطواتكَ التي لن تمشيها بل تطير معها ، في قضاء واقع ستعيشه بما يوفّر لك من نجاح وشهرة ونصيب من المال .
وقف بغثة وقال لي بغير شعور:
- هيا بنا ماذا ننتظر ، لنأخذ ذاك الطريف منذ اللحظة .
أخبرته أن الألف ميل الواجب قطعها قبل الوصول إليه يبتدئ من الجزائر العاصمة وليس من مقهى البؤساء هذه.
- الجزائر (ناطقا بها في امتعاض ليستطرد) وفي هذا الوقت بالذات ؟؟؟، طبعا أنت على علم بالتوتر الحاصل بيننا وتلك الدولة بسبب المسيرة الخضراء الذي أراد بها عاهلنا الحسن الثاني تحريرها من احتلال الأسبان ، فكيف وصل لذهنك هذا الاختيار الصعب ، اللهم إن كان في الأمر سر؟؟؟ .
قاطعته بلهجةٍ تعبّر عن جدية في الموضوع ، وحزم معقود على التنفيذ، وإرادة يجب طاعتهُا بالكامل . ابتسم ليوهمني أنه فهم ، والحقيقة أنه لم يفهم حتى تلك اللحظة أي شيء ، مما وجدتها فرصة لأسأله :
- هل تثق بي ؟ .
أجابني بغير تردد .
- ما المطلوب مني ؟
- أن تجمع حقيبتكَ وتتبعني .
طرق برأسه دقيقة ثم نطق :
- سأتبعك حيث تريد ما عليك إلا إقناع والدي وزوجتي .
... في البيت لم أجد أدنى صعوبة مع تلك الشريفة زوجته الموظفة ممرضة بمستشفى حكومي بعد إزاحة مخاوف انتابتها والجزائر في تلك الأوقات علاقاتها مع المغرب ليست على ما يرام ، أخيرا وافقت أن يرحل زوجها معي لثقتها الكبيرة في شخصي المعروف عني من سنوات كم أحترم هذه العائلة المعتزة بشرفها المكافحة من أجل ضمان عيش كريم لأولادها ، السيد الوالد لم يعارض بدوره ، حينما عاهدته أن أعيد له ولده سليما متمتعا بما يحقق له ذاك المستقبل وهو صاحب عمل رسمي يلزمه الاستقرار وسط عائلته المحترمة . الشخص الثاني (يوسف بلعيد) متزوج بسيدة تعمل في ميدان الخياطة المنضم إلينا ، غير بعيد عن الجو الذي تعودنا نحن الثلاثة في مرحلة معيّنة داخل مدينة "وجدة" ، خوض غماره ، الفن المسرحي تأليفاً و إخراجاً وتشخيصا ، تَخَلَّى عن منصبه المؤقت كمحافظ بالإذاعة الجهوية ، ذاك الذي مَنَّ به عليه ، مدير تلك المؤسسة الإعلامية الأستاذ عمر بن الأشهب ، الذي جمعتني وإياه الأقدار لنتعاون معاً في نفس الإطار لكن بصورة أخرى مستقبلاً ، سأتطرق لتفاصيلها إنشاء الله ، لأهمية أحداثها والمعلومات التي طُمِسَت في شأنها بفعل فاعل ، لكنه التاريخ متى كان صادقا لا يرحم ببلاغة ما يحكيه كتابة موثّقة بالحق عن حق مشروع ، إلا من يستحق رحمة الانصاف ، وإن حدث هذا متأخراً لا يهم ، المُهمّ والأَهَمّ وأَهَمّ الأهَم أن تكون على حق وتعرف كيف ومتى تأخذه .
(الصورة : مدينة وجدة)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
212770222634