| مؤشر "الناتج المحلي الإجمالي".. هل يُعبر عن حال الاقتصاد والمواطنين؟ "الناتج المحلي الإجمالي" هو المؤشر المُعتمد للمقارنة بين دول العالم، فالولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر اقتصاد، لأنها تمتلك أكبر ناتج محلي إجمالي في العالم، ونمو الناتج المحلي هو مؤشر تطور اقتصادات الأمم. ولكن هل هذا المؤشر هو الأفضل تعبيرًا عن حال الاقتصاد وحال المواطنين العاملين بهذا الاقتصاد؟ الإجابة بالطبع: لا، حتى أن مجلة "الإيكونومست" اعتبرت أنه من العوار اعتبار مؤشر الناتج المحلي الإجمالي دليلا على رفاهية الأمم. وقد أنتج العالم مؤشرات بديلة استطاعت وصف حال رفاهة المواطنين ومعدلات التنمية الاجتماعية والاقتصادية بالدول، ومدى رضا المواطنين عن حياتهم، وبالطبع لم يكن المواطنون الأمريكيون الأكثر رفاهة، ولا الأفضل من حيث مؤشرات التنمية البشرية، ولا حتى الأفضل من حيث الأجور ومتوسطات الدخول. ولكن العالم مازال يعتمد على مؤشر الناتج المحلي الإجمالي لأنه أسهل في الإعداد، ويتمتع بالقبول العام بين قيادات الدول والمؤسسات الاقتصادية الدولية، ما يسهل عملية المقارنة بين أداء دول العالم. في الأسبوع الماضي أصدرت منصة العدالة الاجتماعية تقريرا بعنوان "من مؤشر الناتج المحلي إلى مؤشر التقدم الحقيقي" شرح فيه الباحثون الفوارق بين المؤشرين، ومدى حاجة مصر للمؤشر الجديد. وعلى العكس من مؤشر الناتج الإجمالي المحلي الذي يهتم بالأرقام اهتمامًا شديدًا، يقوم مؤشر التقدم الحقيقي بتقدير التأثيرات - غير المحسوبة في الناتج المحلي الإجمالي - الناتجة عن توسع الإنتاج وأضراره الاجتماعية، والصحية، والبيئية. هذه الجزئية هي أساس (مؤشر التقدم الحقيقي) لأنها توضح أن العبرة في النهاية ليست بزيادة الإنتاج فحسب، بل بزيادة نوع الإنتاجية التي تخدم المصلحة العامة. ولاستقدام هذا المؤشر لبلادنا أهمية خاصة، لأنه ببساطة يكشف أضرار الكثير من الاستثمارات الأجنبية، لفداحة أضرارها، حتى وإن كانت مُربِحة للغاية. ويحتوي التقرير على حسابات مبدئية لـ (مؤشر التقدم الحقيقي) في مصر، مقارنة بالناتج الإجمالي المحلي، وأظهرت تلك المقارنة اختلافا بقيمة حوالي ٦٠٠ مليار جنيه بين مؤشر التقـدم الحقيقـي، وإجمالي الناتج المحلي، وهذا ناتج عن الأضرار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لتركز الاهتمام بزيادة الإنفاق وزيادة معدلات النمو، ما أدى إلى تدهور رفاهة المواطنين. وضرب التقرير مثالين على العلاقة العكسية بين الناتج والرفاهة، أولهما محلي، وهو أن الأضرار البيئية من استخدام الفحم تفوق مزايا استخدامه كبديل للطاقة يحقق معدلات تشغيل أعلى في قطاع الأسمنت. والمثال الثاني عالمي، حيث لم تتحسن مستويات الرضا لدى المواطنين في الاقتصادات التي تمثل 60% من الاقتصاد العالمي، بشكل ملحوظ منذ عام 1975 على الرغم من النمو الاقتصادي المتنامي. وعلى الرغم من كفاءة (مؤشر التقدم الحقيقي) في وصف واقع الاقتصاد، إلا أن محدودية استخدامه وحداثة ظهوره، في نهاية القرن الماضي، يضعفان موقف الراغبين في استخدامه كمؤشر رئيسي لقياس مدى تطور الاقتصاد، ولكن التقرير طالب بزياد الاعتماد على هذا المؤشر كبديل لمؤشر الناتج المحلي الإجمالي، من أجل تعبير أفضل عن حال الاقتصاد والمواطنين. |