| فرصة عمل تُكلف مليون جنيه.. أو أكثر هناك عدة أسباب وجيهة للاهتمام بدفع عجلة الاستثمار، ولكن السببين الرئيسيين الأكثر تأثيرا على الاقتصاد هما دعم النمو وتوظيف المواطنين. و أعلنت أمس وزارة الاستثمار والتعاون الدولي حصيلة عام 2017/ 2018 في مجال الاستثمار، وذكرت أن عدد الشركات التي تم تأسيسها بلغ حوالي 20 ألف، برؤوس أموال حوالي 49 مليار جنيه، وفرت حوالي 60 ألف وظيفة، ما يعني أن تكلفة خلق فرصة عمل مباشرة بلغت 820 ألف جنيه. وترتفع هذه التكلفة وفقًا للقطاع أو طبيعة النظام القانوني الداخلي للشركة، فتكلفة فرصة العمل في القطاع الإنشائي بلغت 1.9 مليون جنيه، وفي القطاع الخدمي 1.7 مليون جنيه، وفي القطاع السياحي 1.4 مليون جنيه، لأن هذه القطاعات تتحمل تكلفة كبيرة في التأسيس والإنشاء، وتوظف عدد قليل من العاملين بشكل مباشر، بينما تتعاقد مع عدد من المؤسسات الأخرى أو العمالة المؤقتة لتنفيذ بعض الأعمال الخاصة بالشركة، دون الالتزام بتوظيفهم. هذا على عكس قطاعي الزراعي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الذي تبلغ فيهما تكلفة خلق فرصة عمل نصف مليون جنيه، بينما تبلغ تكلفة خلق فرصة عمل في القطاع الصناعي حوالي 322 ألف جنيه، لأن هذه القطاعات تقوم بخلق فرص عمل مباشرة لعدد كبير من العمال بتكلفة تأسيس منخفضة. وتشير بيانات وزارة الاستثمار أيضًا إلى أن الشركات التي تعمل وفقًا لقانون الاستثمار الداخلي تنفق 680 ألف جنيه لتخلق فرصة عمل واحدة، بينما تنفق الشركات التابعة لقانون شركات المساهمة والتوصية بالأسهم وذات المسئولية المحدودة 1.2 مليون جنيه لنفس الغرض، وتنخفض التكلفة في الشركات المُقامة داخل المناطق الحرة إلى حوالي 400 ألف جنيه فقط، وهذا يرجع إلى المساحات الكبيرة الممنوحة للمؤسسات داخل المناطق الحرة، والحوافز الممنوحة للمؤسسات كثيفة العمالة داخل المناطق. هذه الأرقام توضح الارتفاع الكبير الذي شهدته تكلفة خلق فرصة عمل، ففي منتصف عام 2016، قبل شهور من قرار تعويم سعر صرف الجنيه، ذكر الباحث علي والي في مقاله بجريدة المصري اليوم، أن تكلفة خلق فرصة عمل في مصر تبلغ حوالي 200 ألف جنيه، وأن أرخص فرصة عمل هي في صناعة الملابس الجاهزة، وتكلف حوالى 30 ألف جنيه، وأغلى فرصة عمل في الكهرباء والبترول والغاز، وتكلف حوالي 3 ملايين جنيه. وحتى مقارنة بالأرقام الدولية يظل المعدل الحالي كبيرا، فقد نشر البنك الدولي على مدونته في مارس الماضي أن متوسط تكلفة خلق وظيفة 20 ألف دولار "360 ألف جنيه" فقط. وتجيب مدونة البنك الدولي عن السؤال الهام الذي يواجه صناع السياسات لمحاولة توظيف المزيد من الناس: كيف يمكنني استخدام موارد عامة محدودة لتوظيف عدد هائل؟ والسؤال تزداد أهميته إذا علمنا أن عدد المتعطلين في مصر بلغ 2.875 مليون متعطل، بنسبة 9.9٪من إجمالي قوة العمل بنهاية يونيو الماضي، وهذا الرقم لا يضم عدد الرافضين للعمل من الأساس، الذين ازدادت أعدادهم بالملايين خلال السنوات الماضية، خاصة بين النساء. تحتار الحكومات في العادة بين اختيارين: تخصيص التمويل لتحفيز وتنشيط سوق العمل، أم الترويج لإنشاء شركات جدیدة أو توسیع شركات قائمة. ويعتمد الجواب على حالة الاقتصاد، ففي اقتصاد نشيط يخلق فرص عمل كافية، وحيث تكون المسألة مجرد الحد من معدلات بطالة بسيطة من خلال مساعدة الباحثين عن عمل على الوصول إلى الوظائف، يمكن أن تكتفي الحكومة بمساندة برامج توظيف، ولكن عندما تكون المشكلة ضخمة وهيكلية، ولا توجد فرص عمل كافية، قد لا يكون أمام الحكومة خيار آخر سوى تحفيز الاستثمارات أيًا كانت، ما ينتج عنه زيادة الطلب الكلي ثم التوسع في خلق وظائف. لذا فإن انخفاض تكلفة خلق الوظائف يعني ببساطة أن الحكومة حققت تقدمًا ما، تستطيع بعده أن تختار أن تحفز النمو في قطاعات مُحددة، كثيفة التشغيل للعمالة، بينما الارتفاع في تكلفة خلق الوظائف يعني أننا مازلنا في مرحلة نحتاج فيها للنمو أيًا كان مصدره. |