هل تسد "الأصول" فجوات عجز الموازنة؟ في أغلب اقتصادات الدول المتقدمة منها والنامية تمثل مشكلة عجز الموازنة عائقا أمام العديد من خطط التنمية في الدول، إذ أن الفارق بين الإيرادات والمصروفات يضع حكومات تلك الدول في مأزق الاستدانة بما يحملها من تبعات، وهو ما يفتح المجال أمام البحث عن مصادر تمويل بديلة، وربما كان أحد تلك البدائل "الأصول" وفي المقدمة منها "غير المستغلة". الأراضي والموارد الطبيعية، والممتلكات والبنية التحتية كالموانئ والطرق، وأيضا الشركات العامة والأصول المالية التي تملكها صناديق التقاعد قد تكون حلا للأزمة الحالية، وفقا لوجهة نظر صندوق النقد الدولي. في ورقة بحثية نشرتها مؤخرا مدونة الصندوق الدولي تم التطرق إلي "أصول الدول" والمدى الذي يمكن أن تساهم به في جلب موارد لخزانة الدولة تضاهي الإيرادات الضريبية بل وتفوقها أحيانا. تقول الورقة البحثية: إن "قليلا من الحكومات هي التي تدرك حجم ممتلكاتها أو كيفية استخدام هذه الأصول لتحقيق رفاهية المواطنين". وتوضح أنه من المهم لتلك الدول أن تدرك حجم ممتلكاتها وكيفية توجيه قدراتها نحو تحسين استخدام أصولها، لأنها ستتمكن عندئذ من زيادة إيراداتها بنحو 3% من إجمالي الناتج المحلي سنويا وتخفيض المخاطر، دفعة واحدة. وتمثل هذه الزيادة مقدار ما تحققه الحكومات في الاقتصادات المتقدمة من إيرادات ضريبة دخل الشركات، وسيكون بوسع الحكومات عندئذ توجيه هذه الأموال إلى تطوير المدارس أو المستشفيات أو غير ذلك من النفقات ذات الأولوية. وفقا لمجلة "الإيكونوميست" فإنه بالنسبة للعديد من الأصول المادية، تكمن الخطوة الأولى لتعظيم العوائد منها في تحديد قيمتها أولا بشكل صحيح، وهو أمر لا يعد سهلا لأن الحكومات صعبة للغاية في تتبع ممتلكاتها وتقييمها حق القيمة. في مصر على ما يبدو أن هناك تحركات محمودة تدور في هذا الإطار، بعد إعلان أرقام تمثل مفاجأة كبيرة بشأن قيمة الأصول غير المستغلة، إذ تقدر اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب قيمتها بنحو تريليون جنيه. ويقول وزير المالية الدكتور محمد معيط: إن هناك 4135 أصلا غير مستغل فى مصر، تبلغ قيمتها مئات المليارات. وربما كان الصندوق السيادي الذي أعلنت عنه وزيرة التخطيط هالة السعيد، والذي تم إطلاقه ويجرى الانتهاء من هيكله الإداري، أحد أهم الخطوات الحكومية التي تصب في اتجاه تعظيم موارد الدولة، بعيدا عن المزيد من "الضرائب المرهقة"، وهو الصندوق الذي قالت الوزيرة إن رأسماله 200 مليار جنيه. ووفقا لما قال الدكتور حسين عيسى، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، فإن الصندوق الذي يستعد خلال أسابيع قليلة مقبلة لمباشرة عمله سيتضمن أصولا غير مستغلة ومهملة منذ أكثر من 25 سنة، ولا تتبع أحدا بحيث يتم إدارتها بشكل احترافي. ولأن ملف إدارة واستغلال الأصول قد يتضمن أيضا اللجوء إلى بيع جزء منها في وقت ما فإن السؤال المطروح الذي يردده صندوق النقد أيضا هو: كيف يمكن تحقيق ذلك دون إثارة الجدل والشكوك بشأن قيمة الأصول المبيعة فضلا عن المشكلات المصاحبة للبيع؟. الإجابة تكمن في دراسة الصندوق أيضا التي قالت إن دولا خاضت التجربة وتجنبت هذا المأزق من خلال وعي وتركيز الحكومة على القيمة الحقيقية للأصل والأخذ في الاعتبار موازنتها ودينها بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي لكي لا يضطر الساسة لبيع أصول بقيمة قليلة للغاية. وضرب الصندوق المثال بدولة نيوزيلندا التي قامت بتقييم أصولها وحساب موازنتها شهريا كي تنعكس البيانات والأرقام الناتجة على صناعة القرار المالي من جانب الحكومة. الأصول إذن قد تكون "حلا"، شريطة أن تكون لدى الدول والحكومات – وبالطبع الحكومة المصرية – الوعى الاقتصادي والسياسي الذي يحول دون فقدان هذا الحل لجدواه المستقبلية. |