| "الأوف شور".. العالم السري لإخفاء الأموال المنهوبة "الأوف شور" مصطلح عرف طريقه إلى الآذان مع السقوط السياسي للعديد من الأسماء الكبيرة في العديد من الدول العربية، حيث تحول هذا المصطلح إلى مرادف للأبواب الخلفية التي يتم من خلالها تهريب الثروات وإخفاء الأموال. ويمر من خلال عالم "الأوف شور" أكثر من نصف التجارة العالمية، على الأوراق، على الأقل، من خلال الملاذات الآمنة. أكثر من نصف الأصول المصرفية جميعها وثلث الاستثمارات الأجنبية للشركات متعددة الجنسية تمر عبر "الأوف شور" هذا ما يؤكده الصحفى البريطانى نيكولاس شاكسون فى كتابه "هربت ولن تعود: مافيا إخفاء الأموال المنهوبة" الذي صدرت نسخته العربية من ترجمة د. فاطمة نصر. فى مقدمة الكتاب يسأل نيكولاس شاكسون سؤالا خطيرا: «كيف رحل الاستعمار من الباب الأمامى ثم تسلل عائدًا من نافذة جانبية؟» وخطورته تكمن فى أنه يلخص القضية التى نحن بصدد الحديث عنها وهى قضية الأموال التى تُنهَب من قوت الشعوب النامية لكى تطير إلى بنوك أوروبا وأمريكا فيتم استثمارها فى مشروعات جبارة تزيد من جبروت وطغيان تلك الشعوب على بلدان العالم الثالث. فإن كان الاستعمار قد خلف لنا فقرًا مدقعا، ولا يزال يغزونا ثقافيا ودينيا واقتصاديا، فإنه ربَّى لنا تلك المافيا ودربها جيدًا ليظل مستعمرًا هذه البلاد وإن كان قد خرج منها بعسكره وعتاده. والكتاب يكشف ما تمارسه "مافيا" تهريب الأموال عبر الملاذات الضرائبية الآمنة أو ما يسمى بـ"الأوف شور" "offshore"، الذى يطلق على بعض الجزر القريبة من الداخل الأوروبى، مثل جزر البهاما وجرسى والكايمان، التى كانت جزءا من مستعمرات سابقة، ورغم أنها تتمتع فى غالبيتها باستقلال ظاهرى عن البلد الأم، فإنها مرتبطة عن كثب بالعواصم المالية والسياسية الكبرى. وتعد هذه الأماكن ملاذات آمنة لإيداع أموال الكبار وأموال الجريمة والأموال المنهوبة، حيث تضمن سرية المودعين، ولا تكاد تخضع أموالهم لضرائب تذكر، وهذه الملاذات ليست مقصورة على تلك الجزر، بل هى موجودة فى قلب العواصم الكبرى فى كل من بريطانيا وهولندا وأمريكا وغيرها من البلدان. ويتابع الكتاب أنه عام 2010 قدر صندوق النقد الدولى أن الميزانيات العمومية لجزر المراكز المالية الصغيرة وحدها يبلغ مجموعها 18 تريليون دولار أى ما يساوى ثلث حجم الناتج المحلى للعالم كله. ويشير الكتاب إلى أن ثلث إجراءات التجارة العابرة للحدود تتم داخل الشركات المتعددة الجنسية، وتخسر البلدان النامية ما يقدر بحوالى 160 مليار دولار سنويا أمام هذه الشركات، من خلال تزييف عملية تحديد الأثمان، وكمثال على ذلك فإن أكبر ثلاث شركات موز فى العالم، التى يقدر حجم أنشطتها فى بريطانيا بحوالى 750 مليون دولار، لم تدفع ضرائب سوى 235 ألف دولار فقط فى العام 2006، وفى العام 2007 أكدت دراسة لمكتب المراجعات المحاسبية القومى ببريطانيا أن "أكثر من 230 من أكبر 700 رجل أعمال فى البلد، لم يدفعوا أى ضرائب على الإطلاق فى العام السابق". وتعد هذه القدرة على القيام بالتلاعب فى تحديد ثمن التعاملات المضللة السبب فى كون الشركات المتعددة الجنسية تنمو بمعدل أسرع كثيرا من منافسيها الأصغر. ويشير المؤلف إلى أن جزر فيرجين البريطانية التى لا يتعدى سكانها 25 ألف نسمة، تستضيف أكثر من 80 ألف شركة، وهى شركات ورؤوس أموال تهاجر إلى حيث تستطيع الحصول على أفضل أنظمة ضرائبية. وينتهى الكتاب إلى أن "عالم "الأوف شور" ليس مجموعة من الدول المستقلة، التى تمارس حقوقها السيادية فى سن قوانينها، ووضع أنظمتها الضريبية، بل هى مجموعة من شبكات النفوذ التى تتحكم فيها القوى العالمية العظمى، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة، كل شبكة منها متداخلة بعمق مع الأخريات. وفى أحد فصول الكتاب يشبِّه المؤلف نظام الأوف شور ببالوعات التنمية العميقة، حيث ظهر جيش جرار من المحامين والمحاسبين والمصرفيين من أجل ضمان نجاح النظام بأكمله وفرض سطوته على الدول الصغيرة. لا يمكننا فهم الفقر فى إفريقيا دون فهم الأوف شور. لسنوات طويلة ظلت أسوأ حرب فى العالم هى الحرب الأهلية فى جمهورية الكونغو، والتى ترتبط بنهب ثروات البلد وموارده المعدنية بالجملة عن طريق الملاذات الضريبية، وأيضًا الفساد المتفشى فى كل أنحاء العالم النامى، وتدمير الحكومات بشكل واسع النطاق من خلال المصالح الإجرامية، نجد الأوف شور هو كلمة السر فيها جميعًا. ويرى الكاتب فى النهاية أن الحياة كلها أصبحت "أوف شور" بعد أن تسلل هذا الوباء إلى بعض الدول الكبرى فاستعمر اقتصادياتها وأنظمتها السياسية. |