الطريق الآخر لحياة أفضل الطريق الآخر لحياة أفضل
recent

آخر الأخبار

recent
الدورات التدريبية
جاري التحميل ...

الثقافة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم 

الثقافة الإسلامية 

الدكتور عادل عامر 

الافتتاحية 

إنّ الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد إن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد إن محمد عبده ورسوله.  

] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنـها زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [  ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [ [1] 

( أما بعد فأن اصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ) [2] 

وبعد: فهذه " دروس في الثقافة الإسلامية " أعدت لمقرر الثقافة الإسلامية في دبلوم تدريب المعلمين بمعهد اللغة العربية بجامعة الملك سعود .  

وقد روعي في إعدادها أن تكون متنوعة، وشاملة لكثير من موضوعات العقيدة ومنهج المسلم الذي يضبطه عند التعامل مع نصوص الشرع ، أو مع إخوانه المسلمين ، أو حتى مع غيرهم . وهي موضوعات رأينا أن الحاجة ماسة لدراستها ، وقد أهمل كثير من مراكز العلم التركيز عليها مع حاجة شباب الأمة إلى العلم الصحيح بها .  

كما حرصنا على توثيق ما نستشهد به ، والتزمنا إيراد الصحيح من الأحاديث ، وإن لم نشر أحيانا إلى مواضعها من كتب الحديث ، ولعلنا في النسخ القادمة نكمل ذلك .  

وقد أثبتنا في بداية الدروس ( بالهامش ) أسماء أهم المراجع والمصادر ليستعين بها كل من المدرس والطالب والقارئ .  

ولا بد من بيان أمرين شاعا في هذه المذكرة :  

  • كثر استعمال كلمة " السلف " ، ونريد بها سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وهم أهل السنة والجماعة ، فيدخل فيها علماء أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين من الأمة والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سار على نهجهم في القديم والحديث .  
  • قد يجد القارئ في هذه الدروس بعض التكرار ، حيث قد يرد في درس جزء مما ورد في درس آخر بصورة أخرى ، وذلك لأسباب منها : أولا : أن هذه الدروس في الأصل منفصلة عن بعضها ، ثم جمعت لتكون هذه المذكرة . وثانيا : أننا أحببنا أن تكرر بعض الأفكار بصور مختلفة ليستوعبها الطالب ، ولذا لم نرد تجنب التكرار بالكلية ، حيث قد ترد فكرة مجملة أحيانا ( في غير موضعها ) ، ومفصلة أحيانا ( في موضعها الأصلي ) .  
  • ونحن نشكر كل من صوب لنا خطأ ، أو سد نقصا ، أو وجه لنا نقد بناء هادفا ، سواء بالمشافهة أو بالكتابة أو بغيرها . فالعمل البشري محتمل للخطأ كما هو محتمل للصواب.  
  • " ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه ، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" 
  • وفي الختام ، نسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به من أعده ومن علمه ومن تعلمه ومن قرأه ، إنه جواد كريم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .  

     

     

     

الثقافة 

الثقافة في اللغة : الثقافة في أكثر الاستعمالات اللغوية : ( الحذق والفطنة ، وسرعة أخذ العلم وفهمه ، وتقويم المعوج من الأشياء ) .  

وفي الاصطلاح : ( ثقافة الأمة هي : عقيدتها التي تؤمن بها ، ومبادئها التي تحرص عليها ، ونظمها التي تحرص على التزامها ، تراثها الذي تخشى عليه الضياع والاندثار، وفكرها الذي تود له الذيوع والانتشار ) . الأمة التي تتساهل في الدفاع عن ثقافتها تذوب شيئا فشيئا حتى تتلاشى .  

وكلما كانت ثقة المجتمع بواضع هذه النظم القوية ، كان تمسكه بها وقناعته بها قوية . الثقافة الإسلامية من وضع إلهي لا بشري ، ومن هنا اكتسبت صفة الشمول والكمال ، وأصبحت ثقتنا بها قوية لا يعتريها أدنى شك ، يف لا ، وهي من صنع خالق البشر " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " .  

هكذا نرى ثقافة الأمة ، وهكذا نرى أن الدين هو محور هذه الثقافة ، غير أن الفكر الغربي بعامة ينظر إلى الدين على أنه قضية من القضايا التي تخص الفلسفة ، كما يعد الدين ظاهرة اجتماعية ، ويعالجه كما يعالج أي ظاهرة أخرى من ظواهر المجتمع ومؤسساته . . . كما يحرص هذا الفكر الغربي نفسه – ويتبعه الفكر العلماني في البلاد الإسلامية – على الفصل بين الدين والمجتمع ويحصر الدين بالأمور الروحية فحسب .  

بين الثقافة والحضارة :  

لقد شاع التعبير بكلمة " ثقافة " عن الدراسات الأدبية والنظرية والعقلية والفلسفية ، فكأنها بهذا قد انحصرت فيما يتعلق بالأمور المعنوية والروحية .  

أما كلمة " حضارة " فقد شاع استعمالها للدلالة على الوسائل والمخترعات وغيرها مما يدل على النواحي المادية في المجتمع .  

ومن هذا يتبين لنا صعوبة علاج المشكلات الثقافية ، وأنها اكثر صعوبة من علاج غيرها من المشكلات الحضارية أو حتى علاج الظواهر الطبيعية .  

ولقد أدرك علماء الإسلام حقيقة المشكلات الثقافية ، فخططوا لها بما يناسبها ، فالأمور الثقافية التي يريدون غرسها ونشرها بين المسلمين ، والأمور الثقافية التي لا يريدونها ويريدون انتزاعها من المسلمين ، عملوا لكل هذا خططا بعيدة الأجل على قاعدتهم " بطئ بطئ ولكنه أكيد " حتى لا يشعر المسلمون بهذه الخطط ، ولذا فقد حققوا  كثيرا مما أرادوه دون أن يشعر المسلمون بذلك .  

وهكذا قدموه لنا على شكل جرعات صغيرة احتقرناها ولم نعرها اهتماما ، وحين اجتمعت وأصبحت شيئا كبيرا أدركناها بعد فوات الأوان وبعدما أصبحت شيئا ثابتا. وقد أصيب بها المسلمون منذ تقبلوا الجرعة الأولى دون أن يشعروا ، وكما قيل : " أكلت يوم أكل الثور الأبيض".  

وهذا يقودنا إلى الحديث عن مبدأ التنازل ، ذلك الداء الذي أصاب من المسلمين مقتلا.  

فالذي يقبل التنازل في أمور دينه عن القليل  سرعان ما يقبل التنازل عن الكثير ، فهي أمور يجر بعضها بعضا ، وقد لا يشعر بها المتنازل إذا كان المدبر لها خبيثا وخبيرا بالأمور الثقافية ، وهو ما حصل للمسلمين بالفعل ، فواقع المسلمين اليوم لم يصلوا إليه بين يوم وليلة ، وإنما تراكم عليهم بين زمن طويل .  

وبالمقابل فإن أغلب المسلمين لم ينتبهوا إلى طبيعة الأمور الثقافية ، وما تحتاجه من وقت، ومن ثم فهم لم يضعوا لها الخطط المناسبة لها ، فكم نرى من داعية متعجل هب ليغير واقعا في الأمة أو في جزء منها ، وأراد هذا التغيير أن يتم بين يوم وليلة ، أو في زمن قصير لا يتناسب وطبيعة التغيير المراد له أن يتم ، وكان الصدام هو النتيجة الحتمية بين الداعية والمدعوين ، فضاعت الجهود ، وحدثت النفرة بينهم ، وسحب البساط من تحت أرجل هذا الداعية فسقط تأثيره عليهم ، وما حدث هذا إلا بسبب الاستعجال الذي نتج عن جهل ذلك الداعية بطبيعة الأمور الثقافية التي لا تثبت ولا تنتزع من الأشخاص أو المجتمعات إلا بخطط بعيدة المدى ومتدرجة ، بدءا بالمتفق عليه ، فالمختلف عليه اختلافا يسيرا ، ونهاية بالمختلف فيه اختلافا كبيرا ، وبفترات زمنية مناسبة لطبيعة كل إنسان ، وكل مرحلة ، وكل بيئة ، وكل مسألة .  

وبعد التخطيط المدروس للعمل يأتي دور التنفيذ الذي يجب أن يعتمد على الرفق واللين وحسن الخلق والقدوة الحسنة ، وقد أوصى الرسول  rبالرفق واللين في نصوص ، منها: " إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي عليه مالا يعطي على العنف " ، وقال   r: " إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه " وقال  r : " من أمر بمعروف فليكن بمعروف".  

ولأن الدعوة تحتاج إلى الحكمة كما قال تعالى " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " ، لزم بيان المراد بالحكمة ، وكيف تطبق ، وما الخلط الحاصل عند كثير من الناس في مفهومها .  

فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه ، فما يحتاج إلى اللين فالحكمة تكون فيه باللين ، وما يحتاج إلى الشدة فالحكمة فيه تكون في الشدة .  

ومن الخلط في المفاهيم في هذا المقام  [3] :  

  • الخلط في مفهوم خوف الفتنة ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية الفتنة !! 
  • الخلط بين الحزبية والانتماء : فحوربت الجماعة والوحدة والائتلاف باسم النهي عن الحزبية المقيتة والانتماء ، مع أن من الانتماء ما هو محمود ومنه ما هو مذموم ؛فالانتماء لأهل السنة والجماعة مطلوب محمود ، بخلاف تحزب المسلمين بعضهم ضد بعض ، فإنه مذموم .  
  • الخلط بين الوسائل والغايات .  
  • الخلط بين الثوابت والمتغيرات .  
  • الضن بأن حب السلف والدفاع عنه منهجهم يكفي عن فهمه وتطبيقه والتزامه .  
  • ومن أمثلة الخلط أيضا:  
  • الخلط بين الكرم وبين الإسراف.  
  • والخلط بين الرفق واللين وبين الضعف.  
  • والخلط بين المدارات وبين المداهنة.  
  • والخلط بين المصلحة وبين المفسدة.  
  • والخلط بين النصيحة وبين التشهير.  
  • والخلط بين الإسرار وبين السكوت عن الحق.  
  • والخلط بين الغيرة وبين الاندفاع غير المنضبط.  
  • والخلط بين العزة وبين التكبر.  
  • والخلط بين التواضع وبين الذل.  
  • والخلط بين التأني وبين البرود والخمول والكسل.  
  • والخلط بين الشجاعة وبين التهور.  
  • والخلط بين خوف الفتنة وبين الجبن والخوف.  

القرآن الكريم واللسان العربي 

لإقامة الحجة على البشر أرسل الله الرسل عليهم السلام مبلغين شرع الله بلسان أقوامهم كما قال تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [ (إبراهيم: من الآية4)، والرسول محمد r داخل في هذا العموم فقد أرسل إلى قومه بلسانهم العربي بل أن معجزته r هي القرآن بمبناه ومعناه . ولأن إنزال القرآن الكريم باللسان العربي لم يكن لمجرد البيان أو بعبارة أخرى لأن اللسان العربي لم يكن مجرد وسيلة لتبيين هذا الكتاب بل هي وسيلة في حكم الغاية ، فاللسان العربي بذاته مطلوب ولا يمكن فهم الكتاب فهما مستقيما إلا بلسان الكتاب ولذلك فقد نص على عربية هذا الكتاب باثنتي عشرة آية مع ما سبق في الآية السابقة ، وإليك هذه الآيات :  

  1. ] وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ[ (النحل) 
  2. ] نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ[ (الشعراء )  
  3.  ]إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[  (يوسف:2)  
  4. ] وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً [ (الرعد: من الآية37) 
  5. ] قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[  (الزمر:28)  
  6. ] كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[  (فصلت:3)  
  7. ] وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً [ (الشورى: من الآية7) 
  8. ] إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[  (الزخرف:3)  
  9. ] وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً [ (الرعد: من الآية37) 
  10. ] وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً [ (الأحقاف: من الآية12) 
  11. ] فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً[  (مريم:97)   
  12. ] فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[ (الدخان:58) 

    ولقد اختلفت طبيعة رسالة النبي r عن الرسالات قبلها حيث امتازت بخواص من أهمها :  
  1. الخلود : فالرسول r هو خاتم الأنبياء عليهم السلام ورسالته قائمة ومستمرة إلى قيام الساعة ]مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [ (الأحزاب: من الآية40) 
  2. العموم: فقد أرسل rإلى الناس كافة ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [(سـبأ: من الآية28)  

    فالميزة الأولى تقتضي أن يحفظ كتاب هذه الرسالة الخالدة لئلا يصيبه تغيير أو تحريف لطول الزمن والبشر غير قادر على تحمل هذه المهمة والمسئولية ، ولذلك فقد تكفل الله نفسه بحفظه قال تعالى ]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ (الحجر:9) ، وقال تعالى  ] وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ ، وقال تعالى ]لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ (القيامة)  

    وما تكفل الله تعالى بحفظه فلا خوف عليه من الضياع أو التغيير أبدا . أما الكتب السابقة فقد وكل الحفظ فيها إلى البشر , كما قال تعالى : ] بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ[ ؛ ولذلك لم يحفظوا الأمانة , وغيّروا وبدّلوا , كما بيّن ذلك تعالى في قوله : ] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [ ومن حفظ الله لهذا الكتاب هيأ له من جمعه ودونه في زمن مبكر جدا ، في زمن الصحابة رضي الله عنهم الذين عليهم أنزل وله حفظوا . ولهذا أجمعت الأمة على أنّ ما بأيدينا من القرآن هو نفس ما أنزل على محمد r دون زيادة أو نقصان أو تحريف أو تبديل ، ومن شك في هذه الحقيقة المعلومة من الدين بالضرورة فقد كفر ، وقد شذت الرافضة أو دعت –لعنها الله- أن القرآن محرف لأنه –في نظرهم- من رواية كافرين ، فالصحابة –في نظرهم- قد كفروا بعد موت النبي r إلا ستة أو ما يقاربهم ( منهم : أبو ذر ، وعمار بن ياسر ، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود ، وعلي بن أبي طالب ، والحسن بن علي ، والحسين بن علي رضي الله عن الجميع ) .  

    والرافضة ليسوا حجة على الإسلام فليسوا من المسلمين في هذا من شئ كما قال أبو حزم الظاهري في مناظرته لأهل الكتاب الذين استدلوا على زعمهم بوجود التحريف بالقرآن بقول الرافضة. [4]  

    وقد شمل هذا الحفظ للقرآن لغته العربية ، فأصبح المسلمون والعرب خاصة يقرأ ون نصوصه وغيرها من النصوص العربية رطبة طرية ويفهمونها على رغم بعد الزمان – أربعة عشرة قرنا- ، ولم يكن هذا الاستمرار دون تغيير يذكر لغير العربية ، ولم نرى شيئا من لهجات العربية انفصل ليصبح لغة مستقلة بعيدة عن مثيلاتها أو عن اللغة الأم ، فمناطق العربية إن اختلفت لهجاتها المحلية في التعامل المحلي إلا أن الجميع يلتقون عند اللغة الأم قراءة وكتابة ونطقا . وهذه الظاهرة اللغوية ليست لغير العربية أيضا وعلى سبيل المثال قارن بما أصبحت عليه اللاتينية من الإنجليزية وفرنسية وألمانية وإيطالية . . .   

     ونعود الآن إلى الميزة الثانية لرسالة النبي r وهي العموم الذي اقتضى التيسير ، وما ذلك إلا لأن من بعث لهم هذا النبي r ليسوا عربا فقط بل بعث للعرب وغيرهم، والكل مطالب بهذا اللسان العربي المبين فكثير من شعائر الإسلام، بما فيها تلاوة القرآن ، لا تجوز بغير العربية [5] ، فكيف بالمسلمين ولا سيما من غير الجنس العربي أن يفعلوا ذلك لولا أن الله تعالى يسر هذا القرآن بهذا اللسان ، كما قال تعالى: ] فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً[  (مريم:97) ] فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[ (الدخان:58) ، وقال تعالى في سورة القمر بأربع آيات : ]وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ (القمر:17).  

    وهكذا أصبح هذا الكتاب العظيم محفوظا في صدور آلاف المسلمين في كل عصر وأصبح في متناول المسلمين من عرب وعجم  ، ولولا تيسير الله لما استطاع غير العرب حفظه وتلاوته دون أن يعرفوا معناه .  

    وبسبب هذا التيسير للقرآن ولغته لم يرو لنا التاريخ أن المسلمين من غير العرب الذين دخلوا في دين الله أفواجا في عصور الفتوحات الإسلامية وبعدها وجدوا أن اللسان العربي وتعلمه كان عقبه في طريقهم ، بل إنهم سرعان ما عرفوا العربية بل وأصبح الكثير منهم من علمائها ومن علماء الدين عامه ، ومن أبرز الأمثلة إمام المسلمين في الحديث البخاري رحمه الله تعالى ، وإمام العربية سيبويه وغيرهما الكثير .  

    وقد استفاد من هذا التيسير العرب أنفسهم ، فكم ترى من أمي لا يقرأ ولا يكتب من يحفظ الكثير بل إن كثيرا منهم يقرأ القرآن كاملا ويعرف رسمه ، ولو أعطي أي كتاب آخر لما استطاع قراءته ، ولو طلب منه كتابة ما قرأ ما استطاع . حقا إنها عناية الله بهذا القرآن التي جعلته ميسرا لتقوم الحجة على الناس فقد بان ما نزل إليهم .  

    ومن هنا يتبين لنا أن اللسان العربي ، هذا الوعاء للمعجزة الخالدة الذي لا يغني عنه أي وعاء ، من أيسر اللغات ويكتسب سريعا ، كيف لا وهو منتشر في الآفاق رغم تقصير العرب الواضح في نشره وتقديمه للناس . ولا صحة لما يدعيه المستشرقون وأذنابهم من العلمانيين في الوطن الإسلامي من أن اللغة العربية من أصعب اللغات ، هكذا أشاعوا وانتشرت هذه الدعوى الكاذبة حتى صدقها كثير من أبناء المسلمين ، بل من أبناء العرب أنفسهم .  

    ولقد أدرك أعداء الدين هذه العلاقة المتينة بين القرآن الكريم واللسان العربي فكادوا ولا زالوا يكيدون لهما ليحولوا بين المسلمين وبين كتابهم بل كل تراثهم الإسلامي.  

    وقد أخذ هذا الكيد صورا شتى وجندت لذلك كافة الوسائل ولعل من بينها عزلهم للجيل التركي الجديد عن تراثه بعد أن نجحوا في استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني في تركيا في عام 1342 هـ حينما ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية ، وقد شجعهم ذلك على تكرار التجربة في غيرها ففي عام 1380 هـ قامت في تشاد حكومة محلية موالية لفرنسا ، وفرضت الفرنسية لغة رسمية للبلاد ، وفي عام 1392 هـ أعلن الرئيس محمد سياد بري إلغاء حروف اللغة العربية في الصومال واستبدالها بالحروف اللاتينية ، وفي عام 1395 هـ (تقريبا) فرضت الفرنسية على سكان جزر القمر . ولقد حاولوا تكرار التجربة في مصر ولكنهم لم يفلحوا تماما ، فسلكوا طريقا أخرى ألا وهي التشجيع على الكتابة والقراءة بالعامية ونشرها لتطغى على الفصحى ، ولكن هذه أيضا فشلت ، ولم ييأس أولئك فلا زالوا يكيدون ولكن الله سيحفظ هذه اللغة وإن خذلها أهلها " فالله خير حافظا " . ولئن صاحب الأعداء الفشل في كثير من خططهم الكائدة ضد اللسان العربي ، فلقد نجحوا إلى درجة كبيرة في الكيد لها من زاويتين هما :  
    1. دعوى الصعوبة فيها والتي –ويا للخزي- قد صدقها كثير من المسلمين بل من أبناء العرب أنفسهم ، حتى خيم اليأس على من يريد دراستها فأصبحت لا يرغبها إلا القليل ، وما أكثر المصدقين لهذا الزعم ، وإن لم يوجد التصديق ذاتيا وبالقول فإنه موجود موضوعيا ، والتعامل معها يدل على ذلك ، فهي مثلا ليست لغة التعليم في التخصصات التطبيقية في كثير من بلاد العرب ، ولا يكاد يلتزمها إلا النادر منهم.  
    2. مزاحمتها بغيرها من اللغات الأجنبية ، فانصب اهتمام الدارسين إلى الأجنبية مع ما صاحبها من دعاية لها ، وكان لهذه الازدواجية اللغوية أثره الكبير في الضعف اللغوي مع ما عند الدارس من انهزام داخلي جعله يحتقر كل ما لديه ويشغف في تحصيل كل ما عند الغير .  

       وقد توهم الغرب وتبعهم خلق كثير بأن الإنجليزية مثلا سهله ، وما ذلك إلا لأنهم رأوها لغة تتبع الشارع الإنجليزي ، كلما تغيرت لغة الشارع نزلت إليه اللغة وتبعته وغيرت ، وهم لا يرتفعون بالشارع إلا مستوى لغة العلم بل نزلوا بلغة العلم إلى الشارع ، وإنما قبلوا هذا الانحدار لأنهم ليسوا أصحاب تراث يستحق الحفاظ عليه ، ومن هنا لم يبالوا بوجود الهوة بين الأجيال المتلاحقة أما اللغة العربية بالمقابل فإن من أبرز صفاتها الثبات فلا تنحدر مع انحدار العامة لأنها لغة تحمل تراثا قيما لا يجوز عزله عن الأجيال ولا عزل الأجيال عنه . وهذا من أسباب توهم البعض بأنها لغة صعبة لأنها لم تنحدر مع الشارع في زمن الانحدار .  

      إن الواقع التاريخي للغة العربية وللدين الإسلامي –خلال أربعة عشر قرنا- يثبت حقيقة التلازم والارتباط بين انتشار كل منهما وازدهاره لمساعدة الآخر . إلى جانب أن في كل من الدين الإسلامي واللغة العربية من القوة الذاتية والاستعداد الأصيل ما يكفل له الغلبة والانتصار .  

       

      ومن أقوال العلماء في العربية وأهميتها نقتبس هذه الأقوال :  

      لقد نهى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- عن رطانة الأعاجم وساوى بين تعلم فرائض الدين، وتعلم اللغة العربية فقال: " تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم ".  

      ووجد سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه- قوما يتكلمون بالفارسية فقال لهم: " ما بال المجوسية بعد الحنيفية " وهو تعبير بالغ الفقه والحصافة والاعتزاز بالفصحى، إذ اعتبر العربية صبغة عقدية فوصفها بالحنيفية . . . والفارسية غلة وثنية فسماها مجوسية.  

      وقال الشافعي – رحمه الله - : " فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله ، ويتلوا به كتاب الله ، وينطق بالذكر بما أفترض عليه من التكبير ، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك".  

       وقال –رحمه الله- أيضا : " وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي ، ولا يجوز أن يكون أهل لسانه إتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد ، بل كل لسان تبع للسانه ، وكل أهل دين قبله فعليهم أتباع دينه ".  

      وقال –رحمه الله- أيضا " لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها ، ومن علمه انتفت عن الشبه التي دخلت على من جهل لسانه "[6].  

      وقال –رحمه الله- أيضا : " يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه ".  

      وقال الشاطبي رحمه الله " لا يجوز لأحد أن يتكلم في الشريعة حتى يكون عربيا أو كعربي في كونه عارفا بلسان العرب بلغة بالغا فيه مبالغهم "[7] .  

      وقال –رحمه الله- أيضا : " على "الناظر" في الشريعة والمتكلم فيها أصولا وفروعا أمران : أحدهما : أن لا يتكلم في شئ من ذلك حتى يكون عربيا ، أو كعربي في كونه عارف بلسان العرب ، بالغا فيه مبالغ العرب ، أو مبالغ الأئمة المتقدمين كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء ومن أشباههم وداناهم ، وليس المراد أن يكون حافظا كحفظهم و جامعا كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمه عربيا في الجملة "[8] .  

      وقال الماوردي –رحمه الله- : " ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره " [9].  

      وقال ابن تيميه –رحمه الله- : " إن اللغة العربية من الدين ، ومعرفتها فرض واجب ، فإنهم الكتاب والسنة فرض ، ولا يفهم إلا باللغة العربية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ".  

      وقال –رحمه الله- أيضا : " وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى لا يصير ذلك عادة للمصر وأهله ، ولأهل الدار ، وللرجل مع صاحبه ، ولأهل السوق ، وللأمراء ، أو لأهل الديوان ، أو لأهل الفقه ، فلا ريب أن هذا مكروه ، فإنه من التشبه بالأعاجم ، والتشبه بالأعاجم مكروه ديانة "  

      وقال –رحمه الله- أيضا : " معلوم أن تعلم العربية وتعليم العربية فرض على الكفاية ؛وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن . فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي ، ونصلح الألسن المائلة عنه ، فيحفظ لنا طريقة الكتاب والسنة ، والإقتداء في العرب في خطابها . فلو ترك الناس على لحنهم كان نقصا وعيبا "[10] 

      ونقل شيخ الإسلام عن الإمام أحمد كراهة الرطانة ، وتسمية الشهور بالأسماء الأعجمية ، والوجه عن الإمام أحمد في ذلك " كراهة أن يتعود الرجل النطق بغير العربية ".  

      وقال شيخ الإسلام : "لأن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله ، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون "[11] 

      وقال مصطفى صادق الرافعي –رحمه الله- : " ما ذلت لغة شعب إلا ذل ، ولا أنحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار ؛ ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضا على الأمة المستعمرة ، ويركبهم بها ، 'ويشعرهم عظمته فيها ، ويستلحقهم من ناحيتها ، فيحكم عليهم أحكاما ثلاثة في عمل واحد : أما الأول : فيحبس لغتهم في لغته سجنا مؤبدا ، وأما الثاني : فالحكم على ماضيهم بالقتل محوا ونسيانا ، وأما الثالث : فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها ، فأمرهم من بعدها لأمره تبع ".  

      يقول الثعالبي في أول كتابه فقه اللغة: (أما بعد فإن من أحب الله أحب رسوله المصطفى r, ومن أحب النبي العربي أحب العرب. ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب, ومن أحب العربية عني بها,  وثابر عليها, وصرف همته إليها) ويقول: (والعربية خير اللغات والألسنة. والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين). 

      وخلاصة القول أن العربية من الدين ، وأن تعلمها لفهم مقاصد الكتاب والسنة قربة من أجل القربات إلى الله عز وجل ، وأن معرفة ما يقيم به المسلم فرضه فرض واجب عليه . [12] 

       

وقد اِعْتَنَتِ الأمّةُ الإسلاميّةُ في سالِفِ عَهْدِها باللّسانِ العَرَبي ، وعَدَّتْهُ هَدَفاً يرُادُ لِذاتِهِ ، لا مُجَرّدَ وسيلةٍ لِحَمْلِ الرِّسالَةِ ، وسارَتِ الأمّةُ على ذلِك؛ فَكانَ لَـها العِزُّ والتَّمْكين. 

وفي هذا العصرِ, اِهتمّ كثيرٌ من العربِ والمسلمين بتعلُّمِ اللُّغةِ العربيّةِ وتعليمِها. وعِنايةُ المسلمين - في القديمِ والحديثِ - له أسبابٌ كثيرةٌ، أهـمُّها : 

  • أنّ اللغةَ العربيّةَ من الدينِ, قال ابنُ تيميّةَ – رحِمه اللهُ - : ( مَعلومٌ أنّ تعلُّمَ العربيّةِ وتعليمَ العربيّةِ فَرْضٌ على الكِفايةِ ) . وقال أيضا : ( إنّ اللغةَ العربيةَ من الدينِ, ومعرفتُها فرضٌ واجبٌ، فإنّ فهمَ الكتابِ والسنةِ فرضٌ ، ولا يُفْهَمُ إلا باللغةِ العربيةِ، وما لا يَتِمُّ الواجبُ إلا بِهِ, فهو واجبٌ ) فالعبادةُ من صلاةٍ ودعاءٍ وتلاوةٍ للقرآنِ الكريمِ, وكثيرٌ من شعائرِ الإسلامِ لا تؤدَّى, ولا يتِمُّ فهمُها, وتدبّرُها إلا باللغةِ العربيةِ ، ولم يُجِزْ أحدٌ من الأئمّةِ مطلقا, أنْ تؤدَّى الصّلاةُ بغيرِ العربيةِ ، والصّلاةُ فرضُ عينٍ. 
  • معرفتُها تحمي من الوقوعِ في الشُّبَهِ والبِدَعِ . قال الشافعي – رحِمه الله - : (ما جَهِلَ الناسُ, ولا اختلفوا إلا لتركِهِم لسانَ العربِ, وميلِهم إلى لسانِ أرسططاليس ) وقال أيضا: ( لا يَعْلَمُ من إيضاحِ جُمَلِ عِلْمِ الكتابِ أحدٌ, جَهِلَ سَعَةَ لسانِ العربِ, وكثرةَ وجوهِه, وجماعَ معانيه وتفوقَها . ومن عَلِمَها, انتَفَتْ عنه الشُّبَه, التي دخلتْ على من جَهِلَ لسانَـها) وقال السيوطي – رحِمه الله - : ( وقد وجدتُ السلفَ قبلَ الشافعي, أشاروا إلى ما أشار إليهِ من أنّ سببَ الابتداعِ الجهلُ بلسانِ العربِ). وقال الحسنُ البصريُّ – رحِمه الله – في المبتدعةِ: (أهلكتهم العجمةُ) . 
  •  معرفةُ اللغةِ العربيةِ سببٌ من أسبابِ التيسيرِ ، كما قال تعالى : ] فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[ (الدخان:58) ، وقال تعالى : ] وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ (القمر:1). 
  • ( اللسانُ العربيُّ شعارُ الإسلامِ وأهلِهِ, واللغاتُ من أعظمِ شعائرِ الأمَمِ التي بـها يتميّزون ) كما قال ابن تيمية –رحِمه الله . 
  • قُوَّتُـها سببٌ لِعِزِّ الإسلامِ والمسلمين. قال مصطفى صادقُ الرافعيُّ ( ما ذَلّتْ لغةُ شعبٍ إلا ذلَّ، ولا انحطَّتْ إلا كان أمرُهُ في ذهابٍ وإدبارٍ , ومِن هذا يَفْرِضُ الأجنبيُّ المستعمرُ لغتَهَ فرْضا على الأمةِ المستعمَرَةِ ) .   
  • اللغةُ العربيةُ من أقوى الروابِطِ بين المسلمين, والأمَمُ تحرِصُ على تعليم لغاتِـها؛ لِتُقَرِّبَ المتعلِّمين إليها, فالمشابَـهَةُ في الظاهرِ – ومنه اللغةُ – تورِثُ المشابَـهَةَ في الباطنِ – ومنه قضايا الثقافةِ والعقائدِ . 

     تعليمُ العربيةِ مِن أهمِّ  الوسائلِ لعرضِ الثقافةِ الإسلاميةِ , فاللغاتُ تحملُ ثقافةَ أصحابِـها . 

     

    ولعل من ميزات هذه العربية أن المهجور من مفرداتها أكثر بكثير من المستعمل لكن علماء اللغة العربية خاصة القدامى منهم دونوا تلك المفردات وحفظوها. واحتفاظ علمائنا بالمهجور كأنه إرهاص لإحيائه, وفي هذا كانت المزية للعربية إذ لا تحتفظ سائر اللغات إلا بالنوع الذي يستعمل من الألفاظ ثم يهجر؛ وهذا النوع مهدد بالهجران (معرض لقوانين التغيير الصوتي فإذا أميتت بالهجر لم يكن في طبائعها ما تعوض به المهجور الجديد بمهجور قديم فتضطر إلى طلب الجديد من لغات أخرى وأحياناً إلى غصبها والسرقة منها) وهذا يعني أن للعربية مخزوناً لغوياً كبيراً قد يهجر لزمن محدد ثم يحتاج إليه فيستعمل مرة أخرى. وهذا لا يحوج العرب إلى طلب الجديد من لغات أخرى أو غصب لغات مجاورة أو السرقة منها. 

    ولعل من أهم ميزات العربية الاشتقاق حيث إنّ الكلمة المفردة يمكن أن يشتقّ منها الكثير من الكلمات التي تدل كل واحدة منها على مدلول. وقد أفاض العلماء في الاشتقاق كثيراً وأطلقوا فيه بحوثاً واسعة منها الاشتقاق الأكبر والكبار وما شابه ذلك. وكان للعالم ابن جني أثره البالغ في بسط البحث في الاشتقاق ومنه ما أطلق عليه التراكيب الستة بحيث يشكل من فعل ثلاثي ستة أفعال تؤدي إلى معنى واحد. وعلى الرغم من أن نظرته في ذلك اصطدمت بعض الشيء ببعض العقبات إلا أن كثيراً من الأفعال الثلاثية إذا قلبت حروفها تعطيك ستة أفعال يدل معظمها على معنى عام واحد. 

    وقد التفت جمال الدين الأفغاني لأهمية اللغة العربية للمسلم فقال : (لقد أهمل الأتراك أمراً عظيماً, وهو اتخاذ اللسان العربية لساناً للدولة. ولو أن الدولة العثمانية اتخذت اللسان العربي لساناً رسمياً, وسعت لتعريب الأتراك لكانت في أمنع قوة. ولكنها فعلت العكس إذ فكرت بتتريك العرب, وما أسفهها سياسة وأسقمه من رأي. إنها لو تعربت لنتفت من بين الأمتين النعرة القومية) 

    فمن جهل هذا من لسانها وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه, ومن تكلف ما جهل وما لم يثبته معرفة كانت موافقة الصواب, وإن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة, وكان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الصواب والخطأ فيه. 

    وقال ابن تيمية: فأما القرآن فلا يقرؤه بغير العربية سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور. وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه. بل قد قال غير واحد إنه يمتنع أن يترجم سورة أو مما يقوم به الإعجاز. والدين يوجب على معتنقيه تعلم العربية لأنها لغة القرآن ومفتاح فهمه. 

    ومما يزيد اللغة العربية شرفاً أن الشعوب غير العربية لم تجبر على تعلم العربية لأنها لغة فاتحين, بل لأنها لغة القرآن الكريم الذي يخص كل المسلمين دون استثناء. وعندما ضعفت الخلافة العباسية وتسلط السلاطين من العجم والترك وغيرهم ظلت العربية هي السائدة في الدواوين والمراسلات والدروس الدينية والعلمية حتى إنها ظلت لغة التخاطب السياسي بين هؤلاء السلاطين وغيرهم من ملوك الأقطار غير الإسلامية المحيطين بالوطن العربي كالبيزنطيين. 

    والسر في ذلك أنّ القرآن الكريم والدين الإسلامي بشكل عام لعبا الدور الأهم في حفظ العربية من الضياع أو التشويه, على الرغم من ضياع الدولة الواحدة. 

    ليس من شك في أن الإسلام كان له الدور الأول والرائد في انتشار اللغة العربية في الأقطار الآسيوية والإفريقية غير العربية. ونعتقد أن الإسلام هو العامل الوحيد الذي دفع بأبناء الشعوب غير العربية لتعلم اللغة العربية. والمسلمون هم الذين قعّدوا اللغة العربية مجتمعين لحفظ القرآن. 

    لقد أراد الإسلام من الشعوب أن تصبح جزءاً من الأمة الإسلامية وليس من الأمة العربية , كما أراد العرب أن يبنوا دولة الإسلام لا أن يبنوا دولتهم القومية العربية المشابهة للرومانية أو اليونانية أو الساسانية. 

    ولعل هذا الأسلوب الذي اعتمده الفاتحون العرب حبب الناس أكثر فأكثر بالدخول في الإسلام طوعاً ومحبة. وهذا ما لم يكن معروفاً من قبل لدى كل الفاتحين القدامى, وحين ننظر إلى المستند الذي اعتمده العرب المسلمون عندما استقروا واستقرت البلاد التي فتحوها ونشروا الإسلام فيها نرى أنه مستند قرآني أولاً ومستند نبوي ثانياً, فاختلاف اللغات والألسنة والألوان والقوميات حكمة من حكم الله عز وجل وسر من أسرار خلقه. 

    وكان من البداهة أن تصطدم اللغة العربية بعد الفتح الإسلامي بلغات الدول المفتوحة, ولكنك تجد أن اللغات المحلية قد تقهقرت ولم تصمد أمام الهداية التي تحملها اللغة العربية, وأمام نور الله الذي لا سبيل إلى استشراقه إلا بلغة القرآن. حدث هذا مع الإغريقية في الشام والعراق, ومع اللغة الآرامية فيهما, ومع الرومانية في مصر, ومع البربرية في شمال إفريقيا, ومع الفارسية في بلاد فارس. 

    لقد أصبح كل مسلم أينما كان بلده يقرأ القرآن في حله وترحاله, وقراءة القرآن يعني تعلّم العربية وإتقانها. وهذا ما سهل التخاطب بين المسلمين كافة على اختلاف قومياتهم. ونبغ منهم علماء في اللغة والأدب والنحو والصرف والبلاغة. 

    وحين نطالع صفحات التاريخ فإنها تخبرنا عن علماء أجلاء وفلاسفة عظام قدموا للحضارة الإسلامية أرقى أنواع العلوم في الطب وعلم النفس والفلك والجغرافيا والرياضيات. وهؤلاء العظماء ينتمون إلى قوميات متعددة جمعهم الإسلام تحت ظله فكتبوا بالعربية جل إبداعاتهم وعلومهم. فصرنا نقرأ طب ابن سينا وابن النفيس وفلسفة الفارابي والغزالي وغيرهم بالعربية بوصفها لغة العلوم ولغة الآداب, وهي الأقدر على نشر تلك العلوم في الدولة الإسلامية المترامية الأطراف. ولولا القرآن الكريم لما كان لهذه اللغة هذا الإشعاع الحضاري في المعمورة قديماً وحديثاً ومستقبلاً. 

    كتب "ألفارو" مطران "قرطبة" عام أربعة وخمسين وثمانمئة للميلاد إلى أحد أصدقائه يقول: "من الذي يعكف اليوم بين أتباعنا من المؤمنين على دراسة الكتب المقدسة؟, أو يرجع إلى كتاب أي عالم من علمائها, ممن كتبوا في اللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الإنجيل أو الأنبياء أو الرسل؟ إننا لا نرى غير شبان مسيحيين هاموا حباً باللغة العربية, يبحثون عن كتبها ويقتنونها, ويدرسونها في شغف, ويعلّقون عليها, ويتحدثون بها في طلاقه, ويكتبون بها في جمال وبلاغة, ويقولون فيها الشعر في رقة وأناقة, يا للحزن! مسيحيون يجهلون كتابهم وقانونهم ولاتينيتهم, وينسون لغتهم نفسها, ولا يكاد الواحد منهم يستطيع أن يكتب رسالة معقولة لأخيه مسلّماً عليه, وتستطيع أن تجد جمعاً لا يحصى يظهر تفوقه وقدرته وتمكنه من اللغة العربية. 

    ونختم هذه اللمحة الموجزة بقول لارنست رينان في كتابه اللغات السامية " إن من أغرب ما وقع في تاريخ البشر ، وصعب حل سره انتشار اللغة العربية حيث بدت فجأة في غاية السلامة والغنى والكمال ، فليس لها طفولة ولا شيخوخة . ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم إلى اللغة العربية ليفهمها النصارى" [13]. 

     

    وكان هذا يدعونا نحن العرب أن نهتم بتعليم هذه اللغة لكل شعوبنا ولكل الشعوب الإسلامية وهو واجب علينا وعلى حكومتنا العربية. 

    نحتاج إلى استراتيجية تعليمية على ساحة الوطن العربي والإسلامي, ونستفيد من التقنية الحديثة لإيصال لغتنا العربية إلى كل مكان في العالم, وكل الفائدة تعود علينا إن قمنا بهذا العمل, وحافظنا على تراثنا العربي الإسلامي العظيم, وعلى المخزون العلمي والثقافي والجماليات في لغتنا العربية التي قدسها الله فأنزل بها وحياً خالداً ما دامت السماوات والأرض. 

     

     

التوحيد[14] 

  أول شيء دعا إليه الأنبياء أقوامهم هو أن يقولوا : " لا إله إلا الله " ، قال الله تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " ( الأنبياء 25 ).  

فماذا تعني عبارة " لا إله إلا الله "؟ إنها تعني عبادة الله وحده وترك عبادة كل شئ سواه ولا يتحقق هذا المعنى حتى يتخذ الإنسان الله سبحانه وحده ربا وإلها .  

أ‌-     توحيد الربوبية :  

وهو الإيمان بأن الله سبحانه هو وحده الخالق الرازق المدبر المحيي المميت المتصرف الذي بيده ملكوت كل شئك ، ولا شريك له من خلقه في شئ من ذلك . قال تعالى " هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى " ( الحشر 24 ) ، وقد ألحدت بعض الأمم في توحيد الربوبية فجعل المجوس للكون ربين، رب النور ورب الظلام ، والصابئون اعتقدوا أن بعض الكواكب هي المسئولة عن الخلق .  

أما العرب في الجاهلية فقد كانوا يقرون بأن الله سبحانه رب ، وخالق ، ورازق ، ومحيي ، مميت، ونافع، وضار ، وأنه بيده ملكوت كل شئ :  

قال تعالى في حق هؤلاء المشركين : " قل : لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ؟ يقولون لله . قل : أفلا تذكرون . قل : من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ؟ يقولون لله . قل : أفلا تتقون ؟ قل : من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ؟ سيقولون : لله قل : فأنا تسحرون ؟ بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون " (المؤمنون 84 – 90 ) 

وقال تعالى : " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون " ( العنكبوت 61 ) 

وقال تعالى : " ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون " ( العنكبوت 63 ) 

وقال تعالى : " قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون " ( يونس 31 ) 

إذن لماذا يتوجه أولئك المشركون إلى أصنامهم بالعبادة مع اعترافهم ويقينهم بأن الرب الخالق الرازق المحيي المميت هو الله تعالى ؟  

القرآن الكريم يبين لنا أن أصنامهم كانت شخوصا لصالحين من أنبياء وأولياء ، وهو حينما يعبدونهم ويدعونهم إنما يفعلون ذلك ليكونوا لهم واسطة وشفعاء عند الله الذي اعتقدوا بقدرته .  

قال تعالى " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا " ( الزمر 3) 

وقال تعالى " هؤلاء شفعاؤنا عند الله " ( يونس 18 ) 

وهؤلاء المشركون إنما يدعون آلهتهم من دون الله ليتوسطوا لهم وليشفعوا لهم عند الله في الخاء فقط ، أما في وقت الشدة والأزمات فإنهم ينسون تلك الآلهة ويدعون الله تعالى مباشرة :  

قال تعالى " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " (العنكبوت 65 ) 

وقال تعالى " وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا " ( الإسراء 67 ) 

وقال تعالى " قل من ينجيك من ظلماك البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون " (الأنعام 63 – 64) 

ولكن اعتراف العرب بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام ، ولم يجعلهم موحدين ، ولم ينفي عنهم صفة الشرك لأنهم لم يضيفوا إلى توحيد الربوبية توحيد الألوهية كما سيأتي بيانه .  

ينفي أولئك القبوريون أن يكون دعاء الأموات والاستغاثة بهم –وخاصة الأنبياء والأولياء والصالحين- شركا مخرجا من الملة ما دام أن المستغيثين والمتوسلين لا يعتقدون في أولئك القدرة على النفع والضر والخلق والإيجاد والإحياء والإماتة وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى .  

وهذا ناتج عن جهلهم بطبيعة عبادة مشركي قريش ، ولو عرفوا أن مشركي قريش لا يعتقدون في أصنامهم القدرة على النفع والضر والخلق والإيجاد والإحياء والإماتة وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وإنما دعوهم واستغاثوا بهم ليشفعوا لهم عند الله كما مر في الآيات السابقة ، ولو عرف القبوريون ذلك لفهموا أن وصف الله لكفار قريش بالكفر والشرك يسري عليهم هم حيث لا ينفع الجميع اعتقادهم بالرب خالقا ورازقا . . . مع صرف العبادة لغيره أو إشراك غيره معه ، وهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك .  

والوصف الذي وصفه الله تعالى به كفار قريش ينطبق على عبادة القبور والمتوسلين بأصحابها تماما . وبالمقارنة بين الشرك أولئك العرب في عبادة الله تعالى وبين ما عليه كثير من عبادة القبور من ينتسب إلى الإسلام ( القبوريون )، نجد شبها كبيرا بل تماثل بينهم من وجوه :  

  1. الجميع يعترفون بربوبية الله وأنه الخالق الرازق المحيي المميت . . . وهذا ما نص عليه القرآن في الآيات السابقة بشأن مشركي العرب وهو واقع القبوريون .  
  2. أن الجميع توجهوا إلى من مات من بعض الأنبياء والأولياء والصالحين لطلب الغوث والنجدة ، والفارق الوحيد هو أن أغلب مشركي قريش شخوص ترمز إلى من سميت باسمهم من الصالحين ، قال محمد بن كعب عن ( ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ) " هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح ، فلما ماتوا كانوا لهم أتباعا يقتدون بهم ويأخذون مأخذهم في العبادة ، فجاءهم إبليس وقال لهم : لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ، ففعلوا ثم نشأ قوم بعدهم ، فقال لهم إبليس إن الذين كانوا يعبدونهم فعبدوهم".  

    وأما القبوريون فقد توجهوا إلى قبور من يعتقدون فيهم الصلاح . إذا الكل يدعو بشرا ميتا لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا.  

    قال تعالى : " ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون " (الأحقاف 5) 

    وقال تعالى : " قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا " (الإسراء 56) 

    وقال تعالى : " والذين تدعون من دونه ما لا يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا مااستجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير " (فاطر13-14) 

    وقال تعالى : " له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " (الرعد14) 
  3. إن الجميع يعتقدون بقدرة الله وأن من يدعون من دونه مجرد واسطة وشفاعة عند الله تعالى . إذا ، الكل عبد من دعا من دون الله ، وما الفرق في ذلك أن مشركي قريش كانوا أكثر صراحة حينما سموا عملهم عبادة " ما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زلفى "، أما القبوريون فهم أكثر تمويها ومغالطة ، حيث ينكرون أن يكون أن يكون عملهم عبادة إنما تبرك وتوسل ، وفعل الفريقين واحد ، والخلاف في التسمية فقط .  

    ولعل مشركي العرب قديما أحسن حالا من كثير من القبوريين في وقت الشدة والأزمات ، حيث أن الأولين ينسون آلهتهم من دون الله ويتوجهون بالدعاء إلى الله مباشرة في وقت الضيق والشدة ، بينما كثير من القبوريين حتى في وقت الشدة لا يلجأون إلى الله بل يزيد تعلقهم بأصحاب القبور ويقدمون لهم النذور والذبائح . . .  

    وهذه هي حقيقة الصراع بين الأنبياء والمشركين ، والمتتبع لهذا الصراع ، وخاصة ما بين نبينا محمد r وبين مشركي قريش يجد أنه سببه ومداره ليس إنكار أولئك المشركين لوجود الله سبحانه وتعالى ، ولا عدم إيمانهم به ربا ، وليس مبعثه عدم تسليمهم بأنه سبحانه وتعالى بيده ملكوت كل شيء ، وليس مثاره اعتقاد أولئك المشركين أن من يدعون من دون الله يشاركون الله في جلب نفع أو دفع ضر ، فقد كانوا يوحدون في الربوبية توحيدا كاملا .  

    وإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا لم يؤمنوا بمحمد r ويوحدوا الله تعالى ؟  

    أشار القرآن إلى عدة أسباب منها : التعصب لما عليه الآباء والأجداد ، واستبعادهم أن يكون الرسول بشرا ، وأن يكون يتيما وليس من زعماء القوم ، والحسد من عند أنفسهم ، ولعلمهم أن التسليم له يسلبهم الزعامة . . . .  

ب‌-       توحيد الألوهية :  

إذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه ورازقه . . . ، وأنه محتاج إليه سبحانه ، فلا بد له عند ذلك من عبادة الله وحده .  

والعبادة تشمل أنواعا كثيرة : كالدعاء والنذر والاستغاثة والاستعانة والذبح والخوف والرجاء والمحبة والخشية . . .  

والخلاصة : أن هناك عدة حقائق لا بد من الإيمان بها جميعا حتى نطلق على المرء صفة الإيمان، أولها: الأيمان بأن الله تعالى هو رب الناس أي خالقهم وحافظهم ، ومدبر أمورهم ورازقهم . . . والثانية : وهي مترتبة على الأولى أن هذا الخالق الحافظ ، المدبر، لابد أن يكون مالكا متصرفا ، والثالثة : وهي متربة على السابقتين : أن من خلق وحفظ ودبر ورزق وملك لابد أن يكون هو وحده المستحق للطاعة والعبادة ، فلا يجوز أن يكون له شريك في ذلك كله أو في بعضه ، فالإيمان يقتضي التصديق بالقضايا الثلاث كلها ، والثلاث سواء في الثبوت لا سبيل إلى التفريق بينها في الحكم .  

وفي الختام : اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين .  

كما قال الله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " . فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته ، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد ، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة ، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت ، كالحدث إذا دخل في الطهارة ، فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار ، عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك ، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة ، وهي الشرك بالله ، الذي قال الله تعالى فيه :  

" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " .  

وذلك بمعرفة أربعة قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه ونستخلصها مما مضى :  

القاعدة الأولى :  أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله مقرون بأن الله تعالى هو الخالق المدبر. وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام ، كما مر في الآيات السابقة .  

القاعدة الثانية : أنهم يقولون : ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة .  

فدليل القربة قول الله تعالى : " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار " 

ودليل الشفاعة قول الله تعالى : " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " .  

والشفاعة شفاعتان : شفاعة منفية ، وشفاعة مثبتة .  

فالشفاعة المنفية : هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله . والدليل قول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون " 

والشفاعة المثبتة : هي التي تطلب من الله ، والشافع مكرم بالشفاعة ، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن . كما قال الله تعالى : " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " .  

القاعدة الثالثة :  

أن النبي r ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم : منهم من يعبد الملائكة . ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين . ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار . ومنهم من يعبد الشمس والقمر . وقاتلهم رسول الله ولم يفرق بينهم . والدليل قول الله تعالى : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " .  

القاعدة الرابعة :  

أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين . لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة . والدليل قول الله تعالى : " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " .  

مقارنة بين الكفار في زمن الرسل وبين القبوريين:  

من وجوه الاتفاق :  

  • الإيمان بتوحيد الربوبية .  
  • صرف العبادة أو نوع منها لغير الله ( الشرك في الألوهية ) .  
  • معبودهم في الغالب قد مات .  
  • معبودهم مجرد واسطة أو شفيع بدعواهم .  
  • الذبح للمعبود ودعاؤه .  

    من وجوه الاختلاف :  
  • الكفار سموا عملهم عبادة . والقبوريون سموه توسلا وتبركا .  
  • الكفار يلجأ ون إلى الله في وقت الشدة ، والقبوريون يتعلقون بالأولياء أكثر في وقت الشدة .  
  • عند الكفار المعبود حجر أو شبهه يرمز إلى أناس صالحين في الغالب ، وعند القبوريين أموات .  
  • الكفار رفضوا الدعوة من أساسها ، والقبوريون لم يرفضوها .  

أسباب الانحراف عن العقيدة [15] 

الانحراف عن العقيدة مهلكة وضياع لأن العقيدة الصحيحة هي الدافع القوي إلى العمل النافع ، والفرد بلا عقيدة صحيحة يكون فريسة للأوهام والشكوك التي ربما تتراكم عليه فتحجب عنه الرؤيا الصحيحة لدروب الحياة السعيدة حتى تضيق عليه حياته ثم يحاول التخلص مت هذا الضيق بإنهاء حياته ولو بالانتحار – كم هو الواقع في كثير من الأفراد الذين فقدوا هداية العقيدة الصحيحة – والمجتمع الذي لا تسدوه عقيدة صحيحة هو مجتمع بهيمي يفقد كل مقومات الحياة السعيدة – وإن كان يملك الكثير من مكونات الحياة المادية التي كثيرا مت تقوده إلى الدمار – كما هو مشاهد في مجتمعات الجاهلية – لأن هذه المقومات المادية تحتاج إلى توجيه وترشيد للاستفادة من خصائصها ومنا فعها – ولا موجه لها سوى العقيدة الصحيحة، قال تعالى: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحا " .  

وقال تعالى : " ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد ، أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير ، ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور " 

فقوة العقيدة يجب أن لا تنفك عن القوة المادية – فإن انفكت عنها بالانحراف إلى العقائد الباطلة صارت القوة المادية وسيلة دمار وانحدار – كما هو المشاهد اليوم في الدول الكافرة التي تملك مادة ولا تملك عقيدة صحيحة .  

والانحراف عن العقيدة الصحيحة لها أسباب تجب معرفتها وعلاجها من أهمها :  

أولا : الجهل بالعقيدة الصحيحة حيث نشأ جيل لا يعرف تلك العقيدة ولا يعرف ما يخالفها ويضادها فيعتقد الباطل حقا والحق باطلا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( وإنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ) ومن أسباب هذا الجهل بالعقيدة :  

  • الإعراض عن تعلمها وتعليمها .  
  • تخاذل العلماء الربانيين عن القيام بواجبهم تجاه أمتهم .  
  • احتقار بعض طلبة العلم ما عندهم والتخاذل عن إبلاغ الحق .  
  • اتخاذ الناس علماء جهالا .  
  • الانغلاق داخل جماعة أو مذهب معين .  
  • قبول الإشاعات المغرضة عن العقيدة الصحيحة وأصحابها .  

    من المعلوم أن العلم هو المصباح الذي يضئ الطريق لسالكيه فإذا فقد نوره فإن الإنسان سيتخبط في سيره وبالتالي لا يعرف كيف يحدد مصيره ، ولهذا فكلما أمتد الزمن وبعد الناس عن أثر الرسالة قل العلم وفشا الجهل كما أخبر بذلك النبي r بقوله : ( من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ) وقوله : ( إن الله تعالى لا يقبض العلمانتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقى علما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) فلا يقاوم البدع بأشكالها إلا بالعلم والعلماء . فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر ، ولأهلها أن ينشطوا . وحتى ولو وجد العلماء ولكنهم تقاعسوا وتخاذلوا عن واجبهم فلم يبلغوا رسالة ربهم ، فإن وجدوهم وعدمه سواء ، خصوصا في أمر العقيدة الصحيحة التي ينبغي لهم أن يبينوها للناس ويحذروهم من الشرك والوقوع فيه ، والابتعاد عن جميع أسبابه ، لأن هذا الدين مبني على النصيحة لله وللرسول ولأئمة المسلمين وعامتهم ، والرسول عليه الصلاة والسلام كان أنصح خلق الله لأمته فما علم r خير إلا دل أمته عليه ، ولا علم سرا إلا حذرهم منه حتى لا يقعوا فيه وكان r أشد ما يحذرهم منه هو الوقوع في الشرك . فلهذا فإذا تقاعس العلماء عن البلاغ والنصيحة لله ، واحتقر طلاب العلم وما عندهم فإن الناس سيعرضون عن العقيدة الصحيحة، وسيصرفون أنواع من العبادة لغير الله ، وسيتبعون طوائف وأحزابا دون تمحيص ، فيجمدوا أصحابها ويدافعوا عنهم دفاعا مستميتا فيؤدي ذلك إلى الشائعات من المنحولة على غيرهم فيضلوا بذلك عن الصراط المستقيم .  

    ( والناس إزاء الشائعات التي تثار حول شخص أو هيئة ما ، ينقسمون حسب تعاملهم مع هذه الشائعات إلى ثلاثة أصناف :  
  • صنف يقبل هذه الشائعات على علاتها ، ويكتمها في نفسه ، ويرتب عليها أمورا ومواقف من غير تثبت ولا تبين .  
  • صنف يقوم بالتناجي بها بعيدا عن صاحب الشأن فيها ، ومعلوم ما في ذلك من الوقوع بالغيبة وإذكاء الشائعة وانتشارها .  
  • صنف يسارع على التثبت من الشائعة ممن أثيرت حوله مباشرة ، ولا يذهب مع الظنون والوساوس النفسية أو المناجاة التي تحزن المسلم [16] 

    والله تعالى لا يعبد إلا بالعلم خصوصا في الأخبار عن ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ، والإيمان بجميع المغيبات لقوله تعالى : " فاعلم أن لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " حيث قدم العلم عن العمل وقال تعالى : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " والعلماء هم أعرف الناس بالله وبذاته ، وأسمائه وصفاته وأفعاله لتلقيهم ذلك عنه سبحانه وتعالى من كلام في كتابه ، وعلى الصادق المصدوق r الذي ما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد إتمام هذا الدين وتبليغه قال تعالى : " اليوم أكملت لم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " فقد بلغ r كل ما جاء عن الله ، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .  

    والجهل هو أكبر أسباب المصائب في كل شئ خصوصا هذا الأمر الخطير قال تعالى : " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وقال تعالى : " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا " هذا مثل ضربه الله للمشرك والموحد ، فهما لا يستويان ، نسأل الله أن يجعلنا من العلماء الموحدين .  

    ثانيا : التعصب للآباء والأجداد :  

    وهو داء خطير وسلاح فتاك يحول بين الحق ومبتغيه فيؤدي إلى التمسك بالباطل ، وإذا كان صاحبه يعرف الحق ودليله بل كلما بين له الحق ودعي إلية احتج بآبائه وأجداده السابقين ، وكأنهم هم النبيون والمرسلون . وهذا ليس وليد اليوم بل هو شعار منذ القدم ، وقد حكى الله عن المشركين الذين كانوا إذا دعوا إلى توحيد الله وإلى أوامره ونواهيه احتجوا بأسلافهم قال تعالى : " وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عيه آباءنا ولو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " أي ليس لهم فهم ولا هداية . وقولهم : " أنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون " وقولهم : " أنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون " وقولهم : " قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " وقولهم : " قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا " وقولهم : " قالوا أجئتنا لتفلتنا عما وجدنا عليه آباءنا " وقولهم : " وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليه آباءنا " وهي دعوى منهم بلا دليل كما قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير آية الزخرف ، وقال سيد قطب – رحمه الله – في تفسير آية البقرة ( الأولى ) : " فالآية تندد بتلقي شئ في أمر العقيدة من غير الله ، وتندد بالتقليد في هذا الشأن والنقل بلا تعقل ولا إدراك " . وهكذا كثير من الناس اليوم إذا قيل لهم لماذا تفعلون كذا والحق في كذا قالوا نفس المقولة ، وكأن قلوبهم قد تشابهت .  

    والتعصب ليس فقط للآباء والأجداد ، وإنما حتى للأشخاص والقبائل . ومن هنا نعرف أن التعصب ما هو إلا حب الانتصار لمن يتعصب له ، والتعصب يعمي عن الحق وإتباعه ولو كان واضحا وضوح الشمس في كبد السماء وخير شاهد على هذا قول الإعرابي : - 

    وهل أنا إلا من غزية أن غوت      غويت وإن ترشد غزية أرشد 

    وكذا قول أحد أتباع مسيلمة الكذاب ، وهو يعلم علم يقين صدق النبي r وكذب صاحبه ويقر بذلك : " اشهد أن مسيلمة كذاب ، ومحمدا صادق ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر " فهذا هو محض إتباع الهوى نسأل الله السلامة والعافية .  

    " قال الشافعي قدي الله تعالى روحه أجمع المسلمون أن من استبانت له سنه رسول الله r لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس ، قال أبو عمر وغيره من العلماء أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم ، وأن العلم معرفة الحق بدليله ، وهكذا كما قال أبو عمر رحمه الله تعالى فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد "[17] 

    فالخير دائما في البحث عن الحق أينما كان . ومن كان هدفه الحق فإن الله سيهديه لذلك بدليل قوله تعالى : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " وقوله : " والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم " .  

     

    ثالثا : الغلو في الأولياء والصالحين :  

    من المعلوم أن لكل شئ حدا ، فإذا تجاوز حده تحول إلى ضده ، والزيادة في كل شئ تفسده فكيف إذا كانت في الدين وفي أهم الأمور وهو توحيد الله تعالى . فما ضلت الأمم السابقة إلا في غلها في أنبيائها وصالحيها ، فالنصارى غلت في عيسى عليه السلام حيث أدعت أنه الله ، أو ابن الله ، أو ثالث ثلاثة مع أنه بنفسه أخبرهم أن الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . وكذا اليهود لعنهم الله غلوا في عزير وقالوا هو ابن الله " وذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون مع أن الله تعالى نهاهم عن الغلو فقال : " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم . . . " فلما غلوا أدى بهم ذلك إلى الكفر والشرك .  

    ومن الغلو في الصالحين ما جاء في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى " وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا " فقيل هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا ، وسوها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت . وقال ابن القيم : قال غير واحد من السلف لما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم وذلك بسبب الجهل ، وعن عمران أن رسول الله r قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " ، وقال رسول الله r أياكم والغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " ولمسلم أن ابن مسعود أن رسول الله r قال : " هلك المتتنطعون " قالها ثلاثا.  

    ومن الغلو أيضا ما يفعله القبوريون اليوم في كثير من البلدان الإسلامية بسبب الضلال من البناء على القبور ، وسبب تعظيمهم للأولياء والصالحين وادعاء المحبة لهم حتى بنيت الأضرحة على قبورهم ، واتخذت أوثانا تعبد من دون الله بتقديم أنواع القربات من دعاء واستغاثة وذبح ونذر لمقاماتهم ، وسموا الشرك توسلا بالصالحين وإظهار محبتهم ، وليس عبادة لهم بزعمهم ، ونسوا أن هذا هو قول الأولين حيث يقولون " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " وهذا هو الغلو بعينه .  

    ولهذا السبب نهى الرسول r عن اتخاذ القبور مساجد ؛ وقد تضافرت الأدلة وتواترت بوضوح في النهي عن كل السبل المفضية إلى الشرك كقوله r في الصحيحين " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . يحذر ما فعلوا " قالت عائشة رضي الله عنها : لولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا " رواه البخاري . وقوله r قبل أن يمت بخمس " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، أل فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك " رواه مسلم . وقوله r " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله عل قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " رواه مالك في الموطأ . وقوله r " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها " رواه مسلم . وحين ذكرت له r بعض نسائه كنيسة رأيناها في أرض الحبشة فيها تصاوير ، قال r : " إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ، ثم صوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله " رواه الخلق . وأمر r علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثال إلا طمسته " رواه مسلم .  

    ومنه : نهيه r إن يجصص القبر ، وأن يقعد عليه ، وأن يبني عليه ، رواه مسلم .  

    ومع تضافر الأدلة على التشديد في هذا الأمر الخطير ، فإن الأمة في غالبها لم تلتفت إلى هذه النصوص ، أو تحول العمل بها ، وأقبلت في معظمها تشيد القباب وتبني الأضرحة وتقيم المشاهد وتحدث المزارات حتى لكأن هذه النصوص جاءت تأمر بالبناء على هذه القبور ، وتذكر فضله وتحث عليه ، فاستجابت الأمة لها ، ومعاذ أن يكون ذلك .  

    وأول من أحدث هذه المشاهد الشركية ، والمزارت الوثنية والأمة هم الشيعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن تحدث عن دور اليهود في نشأة التشيع : " فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك ، ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المساجد وتعطيل المساجد ، محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف إمام معصوم ، ورووا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب من أهل الكتاب ، حتى صنف كبيرهم ابن النعمان ( من كبار علماء الشيعة الإسماعيلية في مصر )كتابا في ( مناسك حج المشاهد ) وكذبوا فيه على النبي r وأهل بيته أكاذيب بدلوا بها دينه ، وغيروا ملته ، وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد "[18]  

    وانتقل هذا الوباء إلى المسلمين ، وتعاظم مده ، ووقع ما حذر منه النبي r أمته من الشرك العظيم . [19] 

    ونظرة إلى ما كان سائدا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين تبين لنا حجم المصيبة التي أصيبت بها الأمة ، وهذه بعض أعداد المشاهد التي كانت سائدة في بعض أجزاء الأمة الإسلامية في ذلك الزمن ، ولا يزال بعضها قائما :  
  • يزيد عدد الأضرحة المشهورة في مصر على الألف ، منها 294 ضريحا في القاهرة.  
  • الأضرحة والمزارات في دمشق وضواحيها بلغت 194 ضريحا ، منها 27 للصحابة.  
  • في الآستانة 481 جامعا ، لا يكاد يخلوا جامع فيها من ضريح .  
  • في بغداد أكثر من 150 جامعا ، لا يكاد يخلوا جامع فيها من ضريح .  
  • في الموصل أكثر من 76 ضريحا مشهورا داخل جوامع .  
  • في الهند أكثر من 150 ضريحا . . . [20] 

    رابعا : اعتقاد بعض الناس أن توحيد الربوبية كاف .  

    من أساب الانحراف عن العقيدة الصحيحة أيضا الاعتقاد بان توحيد الربوبية يكفي عن توحيد الألوهية ، وهذا الأمر قد أخطأ فيه الكثيرون فسوغوا لأنفسهم الاستشفاع بأصحاب القبور والدعاء عندهم بكل ما هو من خصائص الألوهية بحجة أنهم ما يفعلوا ذلك إلا ليقربوهم إلى الله زلفى ، ونسوا أن ذلك قول المشركين العرب ومع ذلك لم يسلموا من الوصف بالشرك قال تعالى : " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله فأنى يؤفكون " وقال : " ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون " والآيات في هذا الموضوع أكثر من أن تعد ، وهم ما كانوا يشكون في قدرة الله ، وأنه الخالق الرازق المتصرف في الكون ، ولكنهم توجهوا إلى أصنامهم ليكونوا لهم شفعاء عند الله على حد زعمهم ، ألا أنهم ما كانوا يتوجهون إليهم إلا في السراء أما عند اشتداد المصائب والكربات فكانوا يتوجهون إليه تعالى بخالص دعائهم إلى أن يفرج الله عنهم ما هم فيه قال تعالى : " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " وقال : " وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا " ولكن اعترافهم هذا لم يدخلهم في الإسلام ولم يجعلهم من الموحدين لأنهم اقتصروا على توحيد الربوبية ولم يضيفوا توحيد الألوهية ، وهكذا القبوريون فعلوا وكأنهم ما عرفوا طبيعة عبادة مشركي قريش ولو عرفوها لحكموا على أنفسهم بما حكم على كفار قريش بالشرك ، فتوجهوا فورا إلى التوبة إلى الله تعالى والإخلاص له في جميع أنواع العبادة ، وما توسلوا إلا به سبحانه في السراء والضراء . ولكنه الجهل والعناد اللذان يؤديان بصاحبهما إلى الانحراف عن الصراط المستقيم .  

    يقول الإمام الصنعاني – رحمه الله - : " والنذور بالمال على الميت ونحوه ، والنحر على القبر والتوسل به ، وطلب الحاجات هو بعينه الذي كان تفعله الجاهلية ، وإنما يفعلونه لما يسمونه وثنا وصنما ، وفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا ، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني . . . وكذلك تسمية القبر مشهدا ، ومن يعتقدون فيه وليا ، لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن ؛ إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام ، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام "[21] 

    خامسا : الغفلة عن تدبير آيات الله الكونية وآيات الله القرآنية – والانبهار بمعطيات الحضارة المادية حتى ظنوا أنها من مقدور البشر وحده فصروا يعظمون البشر ويضيفون هذه المعطيات إلى مجهوده واختراعاته وحده كما قال قارون من قبل : " إنما أوتيته على علم عندي " ، وكما يقول الإنسان : " هذا لي " " إنما أوتيته على علم " ولم يتفكروا وينظروا في عظمه من أوجد هذه الكائنات وأودعها هذه الخصائص الباهرة وأوجد البشر وأعطاها المقدرة على استخراج هذه الخصائص والانتفاع بها " والله خلقكم وما تعملون " ، " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء " . " والله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " .  

    سادسا : خلوا البيت المسلم في الغالب من التوجيه السليم وقد قال النبي r : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهدانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) فالأبوان لهما دور كبير في تقويم اتجاه الطفل .  

    سابعا : إحجام وسائل التعليم والإعلام عن أداء مهمتهما ، فقد أصبحت مناهج التعليم في الغالب لا تولي جانب الدين اهتماما كبيرا أو لا تهتم به أصلا ، وأصبحت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في الغالب أداة تدمير وانحراف – أو تعني بأشياء مادية أو ترفيهية، ولا تهتم بما يقوم الأخلاق ويزرع العقيدة الصحيحة ويقاوم التيارات المنحرفة – حتى ينشأ جيل جديد أعزل أمام جيوش من الحاد لا قوة له بمقاومتها .  

     

    ومن سبل التوقي من هذا الانحراف :  
  1. الرجوع إلى كتاب الله عز وجل وإلى سنة رسوله r لتلقي الاعتقاد الصحيح منهما كما كان السلف الصالح يستمدون عقيدتهم منهما ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، مع الإطلاع على عقائد الفرق المنحرفة ومعرفة شبههم للرد عليها والتحذير منها ، لأن من لا يعرف الشر يوشك أن يقع فيه.  
  2. العناية بتدريس العقيدة الصحيحة – عقيدة السلف الصالح – في مختلف المراحل الدراسية وإعطائها الحصص الكافية من المنهج والاهتمام البالغ في تدقيق الامتحانات في هذه المادة .  
  3. أن تقرر دراسة كتب السلف الصافية ، ويبتعد عن كتب الفرق المنحرفة .  
  4. قيام دعاة مصلحين يجددون للناس عقيدة السلف ويردون ضلالات المنحرفين عنها .  
  5. أن يستشعر كل من العلماء وطلبة العلم مسئوليتهم ، ويعرفوا دورهم في الدعوة والإصلاح " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته . . . " 

     

حجج القبوريين والرد عليها 

التبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتا لا يجوز ، لأنه إما شرك إن اعتقد فاعله أن ذلك الشيء يمنح البركة ، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملا مسته والتمسح به سبب لحصول البركة من الله .  

وقد حذر النبي r أمته من الشرك وسد كل الطرق التي تفضي إليه ، فقد نهى عن التلفظ بالألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين خلقه ، ونهى عن الغلو في تعظيم القبور بالبناء عليها وإسراجها وتجصيصها والكتابة عليها واتخاذها مسجد للصلاة عندها ، وكذلك نهى عن السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه إلى العبادة إلا إلى المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ، والمسجد النبوي ، والمسجد الأقصى . ومن النصوص في ذلك قوله r " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " رواه مالك وأحمد ، وقوله r " ل تجلسوا إلى القبور ولا تصلوا عليها " رواه مسلم ، وروى البخاري : أن بعض نسائه r ذكرت كنيسة رأينها في أرض الحبشة فيها تصاوير ، فقال r " إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صورا فيه تلك الصور ، ألئك شرار الخلق عند الله " ، وروى مسلم : " أنه r أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته ، ولا تمثال إلا طمسته " 

ولكن مع هذا البيان التام من النبي r والاحتياط الشديد الذي يبعد الأمة عن الشرك خالف القبوريون سنة رسول الله r وعصوا أمره وارتكبوا ما نهاهم عنه ، فشيدوا القباب على القبور وبنوا عليها المساجد وزينوها بأنواع الزخارف وصرفوا لها أنواع من العبادة .  

وقد اتخذت القبور اليوم في بعض البلاد أوثانا تعبد من دون الله ممن يدعون الإيلام ، وقد يدعوا أحدهم غير الله في أي مكان ولو لم يكن عند قبر كمن يقول : أغثني يا فلان ! عند قيامه أو مفاجئته بشيء غريب ، وإذا نهوا عن ذلك ، قالوا : نحن نعلم أن هؤلاء ليس لهم من الأمر شيء ولكن هؤلاء أناس صالحون ، لهم جاه عند الله ونحن نطلب بجاههم شفاعتهم ، ونسوا هؤلاء أو تناسوا وهم يقرؤون القرآن ، أن هذا بعينه قول المشركين كما ذكره الله في القرآن في قوله تعالى " ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعائنا عند الله " ( سورة يونس : 18 ) وقوله تعالى " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار " ( الزمر : 3 ) فسماهم كفارا كذبة وهم يعتقدون أن هؤلاء الأولياء مجرد وسائط بينهم وبين الله في قضاء حوائجهم ، وهذا ما يقوله عباد القبور اليوم ومثل تفرق المشركين الأولين في عباداتهم ومعبوداتهم تفرق القبوريون اليوم في عبادة القبور والتبرك بها، فكل منهم له ضريح خاص يتقرب إليه بأنواع العبادة وكل طريقة من الطرق الصوفية لها شيخ اتخذه مريدوه ربا من دون الله ، يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله .   

قال الإمام الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار مخبرا عن أحوال عباد القبور ، وعن أحوال المسلمين في أيامه : " وكم نرى من تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام ، منها اعتقاد الجهلة كاعقاد الكفار بالأصنام وأعظم من ذلك ، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر ، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب ، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم ، وشدوا إليها الرحال ، وتمسحوا بها واستغاثوا ، وبالجملة : إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب الله ، ويغار حمية للدين الحنيف ، لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا" 

وقد احتج المبتدعة في زماننا هذا بشبهات ، رد عليها العلماء بطريقين : مجمل ومفصل ، أما المجمل فقد قالوا عنه أنه الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها وذلك قوله تعالى " هو الذي أنزل عليه الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله إلا الله " ( سورة آل عمران : 7 ) 

وقد صح عن رسول الله r ، أنه قال : " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " ( صحيح البخاري 8 / 57 ) ومثال ذلك : إذا قال بعض المشركين " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ( سورة يونس : 63 ) أو استدل بالشفاعة أنها حق، أو أن الأنبياء لهم جاه عند الله ، أو ذكر كلاما للنبي r ليستدل به على شيء من باطله ، فعلى الموحد أن يجاوبه بقوله : إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه ، وقد ذكر الله تعالى أن المشركين يقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم بالملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)(يونس: من الآية18) فهذا الأمر محكم واضح لا يقدر أحد أن يغير معناه ، ونحن نقطع أن كلام الله لا يتناقض ، وأن كلام النبي r لا يخالف كلام الله .  

وأما الجواب المفصل فقد ذكر العلماء أن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه ، وتناولوها بالرد عليها والرد والتفصيل وملخص ذلك فيما يلي :  

  1. قولهم : نحن لا نشرك بالله ، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ، ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا r لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن عبد القادر الجيلاني أو غيره ولكن نحن مذنبون والصالحون لهم جاه عند الله ونطلب من الله بهم .  

    نقول إن الذين قاتلهم رسول الله r كانوا مقرين بما ذكرتم ومقرين بأن أوثانهم لا تدبر شيئا وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة " قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ، سيقولون لله . قل أفلا تذكرون . قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، سيقلون لله . قل أفلا تتقون ، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ، سيقولون لله قل فأنا تسحرون ، بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون " ( سورة المؤمنون : 84 – 89 ) 
  2. فإن قالوا : هذه الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام ، فكيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام ، أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما ؟ ! 

    فنقول : قد ثبت وتحقق أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة وأن الكفار أقسام ، فمنهم من يدعوا الأصنام ومنهم من يدعوا الأولياء الذين قال الله فيهم " أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب " ( سورة الإسراء : 5) " ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون " ( سورة سبأ : 40 ) " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ( سورة المائدة : 116 ) فهكذا قد كفر الله من قصد الأصنام وكفر أيضا من قصد الصالحين ، وقاتلهم رسول الله .  
  3. فإن قالوا : الكفار يريدون النفع منهم ، ونحن نشهد أن الله هو النافع الضار المدبر ، لا نريد النفع إلا منه ، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ، ولكن نقصدهم ، نرجوا من الله شفاعتهم .  

    فالجواب : إن هذا هو قول الكفار سواء بسواء ، قال الله تعالى " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " . ( سورة الزمر : 3 ) " ويقولون هؤلاء شفعائنا عند الله " ( سورة يونس : 18 ) .  
  4. فإن قالوا : نحن لا نعبد إلا الله ، والالتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة .  

    فالجواب : إن العبادة أنواعا ، ومنها كما قال الله تعالى " ادعوا ربكم تضرعا وخفيه إنه لا يحب المعتدين " ( سورة الأعراف : 55 ) ، والدعاء هو العبادة ، فإذا علمت بقول الله ودعوته ليلا ونهارا خوفا وطمعا ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا أو غيره ، فقد أشركت في عبادة الله غيره ؟ وكذلك إذا علمت بقول الله تعالى " فصل لربك وانحر " ( سورة الكوثر : 2 ) وأطعت الله ونحرت له ، ثم نحرت لمخلوق ، فقد أشركت في هذه العبادة غير الله تعالى. فهكذا كان المشركون الذي نزل فيهم القرآن يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك، وكانت عبادتهم إياهم في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك ، و إلا فهم مقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم والتجأوا إليهم للجاه والشفاعة .  
  5. فإن قالوا : أتنكر شفاعة رسول الله r وتبرأ منها ؟  

    الجواب : لا ننكرها ولا نتبرأ منها بل هو r الشافع المشفع ونرجو شفاعته ، ولكن الشفاعة كلها لله تعالى كما قال تعالى " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " ( البقرة : 355 ) ولا يأذن الله تعالى إلا لأهل التوحيد لأن الشفاعة كلها لله ونطلبها منه فنقول: اللهم لا تحرمنا شفاعته ، اللهم شفعه فينا .  
  6. فإن قالوا : قد أعطى النبي r الشفاعة ونحن نطلبه مما أعطاه الله .  

    الجواب : إن الله أعطاه الشفاعة ونهاكم عن دعاء غيره فقال تعالى " فلا تدعوا مع الله أحدا " ( سورة الجن : 18 )  
  7. فإن قالوا نحن لا نشرك بالله شيئا ، حاشا وكلا ، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك.  

    فالجواب : إن قولكم هذا مبني على الاعتقاد بأن الشرك ينحصر في عبادة الأصنام فقط، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك ، وهذا يرده ما ذكره الله في كتابه من كفر من تعلق بالملائكة أو بعيسى أو بالصالحين ، فمن أشرك في عبادة الله أحدا من الصالحين فعمله هو عين الشرك المذكور في القرآن .  
  8. فإن قالوا : إنهم لم يكفروا بدعاء الملائكة والأنبياء وإنما كفروا لما قالوا : الملائكة بنات الله ، ونحن لا نقول : عبد القادر ابن الله ولا غيره .  

    فالجواب : إن الذين كفروا بدعاء اللات مع كونه رجلا صالحا لم يجعلوه ابن الله ، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك ، فنسبة الولد إلى الله كفر مستقل ، والشرك في الدعاء كفر مستقل ، وقد فرق الله بين الكفرين إذ قال " وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " ( سورة الأنعام : 100 )       
  9. فإن استدلوا بقوله تعالى : " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ( سورة يونس : 62 ) 

    فالجواب : هذا هو الحق ، ولكنهم لا يعبدون ، ونحن لا ننكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه ، والواجب حبهم وإتباعهم والإقرار بكرامتهم ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال .  

    ومن المعلوم أنّ شرك الأوّلين أخف من شرك أهل زماننا وذلك لأن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء ، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فإذا هم يشركون " ( العنكبوت 65 ) ، وقال تعالى " وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا " ( الإسراء 67 ) ، ولكن أهل زماننا يدعون مع الله في السراء والضراء . وكذلك فإن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله أو يدعون أحجارا أو أشجارا مطيعة لله ليست عاصية وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا بعضهم من أفسق الناس .  
  10. وإن قالوا : إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ، ويكذبون الرسول r ، وينكرون البعث ، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرا ، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ونصدق القرآن ، ونؤمن بالبعث ، ونصلي ، ونصوم ، فكيف تجعلوننا مثل أولئك ؟  

    فالجواب : إنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله r في شيء وكذبه في شيء آخر أنه كافر لم يدخل الإسلام ، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن ، وجحد بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة ، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة ، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم ، أو أقر بهذا كله وجحد الحج ، أو أقر بهذا كله وجحد الحج ، كفر بالإجماع وحل دمه وماله .  

    وقد قاتل أصحاب الرسول r بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي r ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويؤذنون ويصلون إلا أنهم رفعوا رجلا ( مسيلمة الكذاب ) إلى رتبة النبي r ، فكفروا وحل مالهم ودمهم ولم تنفعهم الشهادتان ولا الصلاة ، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار كلهم يدعون الإسلام ومن أصحاب علي رضي الله عنه وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي مثل اعتقاد أهل زماننا في أقطاب المتصوفة .  
  11. وإن قالوا : إن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذرون حتى ينتهون إلى الرسول r ، فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركا .  

    فالجواب : إن الاستغاثة بالمخلوق على ما يقدر عليه لا ننكرها ، كما قال الله تعالى في قصة موسى " فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه " ( سورة القصص : 15 ) وكما يستغيث الإنسان بصاحبه في الحرب وغيرها في الأشياء التي يقدر عليها المخلوق ، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله . وكذلك ما في قصة إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار واعترض له جبريل في الهواء فقال : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، قالوا : لو كانت الاستغاثة بجبريل شركا لم يعرضها على إبراهيم ، فالجواب بأن جبريل عرض عليه أن ينقعه بأمر يقدر عليه فإنه كما قال الله تعالى فيه " شديد القوى " فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل ، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلا محتاجا فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئا يقضي به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ، ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منة في لأحد .  
  12. وقد أدعوا أنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية شرك وهم يقولون : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وأن هذا الذي يمارسونه عند القبور والأضرحة من عبادة الموتى ودعائهم من دون الله لا يسمى شركا عندهم .  

    والجواب أن النبي r قد أخبر أنه سوف يكون في هذه الأمة مشابهة لليهود والنصارى فيما هم عليه ومن جملة ذلكم اتخاذهم أحبارهم أربابا من دون الله ، وأخبر أنها لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمته بالمشركين ، وحتى تعبد فئات من أمته الأوثان ، وقد حدث في هذه الأمة من الشرك والمبادئ الهدامة والنحل الضارة ما خرج به كثير من الناس عن دين الإسلام وهم يقولون لا إله إلا الله .  
  13. ومن حججهم قولهم : كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بشعر النبي r وريقه وما انفصل عن جسمه .  

    والجواب إن ذلك خاص به r في حال حياته بدليل أن الصحابة لم يكونوا يتبركون بحجرته وقبره بعد موته ، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها وكذلك مقامات الأولياء من باب أولى ، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة ، لا في الحياة ولا بعد الموت ، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا ، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلوا فيه ويدعوا أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم ولا إلى مشهد مبنى على أثر نبي من الأنبياء . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .  

منهج التلقي عند أهل السنة والجماعة[22] 

إن الإنسان في هذا العالم لا بد له من منهج للحياة يختاره ويعيش في ظلاله ، ويعرف من خلاله كل ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة ، والمسلم بصفة أخص له منهج واضح ذو أصول صحيحة في كيفية تلقي العقائد والعبادات والأخلاق والتصورات الصحيحة للكون والحياة ، وأن لكل أصل من أصول هذا المنهج دليلا شرعيا صحيحا يسنده ويؤيده ، كما أنه منهج أصيل تربى على أصوله سلف هذه الأمة وأئمتها . وأهم هذه الأصول هو الاعتصام بالكتاب والسنة ، وحصر التلقي لأحكام الدين أصوله وفروعه في هذا المصدر ، وأن يرد الخلاف إليهما عند التنازع ، وهما الميزان التي توزن به الأقوال والأعمال والمعتقدات ، وهما الحق الذي يجب إتباعه ، وما سواهما من كلام سائر الناس يعرض عليهما فإن وافقهما قبل و إلا رد على صاحبه . وأهل السنة والجماعة يحتجون بالقرآن والسنة ولا يفرقون بينهما كما حال أهل البدع فالسنة مبنية للقرآن وموضحة له ولا يمكن أن يستغنى عنها بالقرآن وحده بحال من الأحوال وهي حجة في العقائد كما هي حجة في الأحكام[23] أما الإجماع والقياس وسائر الأصول فهي تابعة للعمل بالكتاب والسنة ، فالكتاب والسنة دلا على جواز جعل الإجماع والقياس حجة شرعية إلى غير ذلك من الأصول .  

والأدلة على هذا الأصل كثيرة منها : قول الله تعالى : " فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم" [24] وقول الله تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " [25] وقول الله تعالى : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمون فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " [26] يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في معرض تفسيره لهذه الآية " فالتحكيم في مقام الإسلام ، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان ، والتسليم في مقام الإحسان ، فمن استكمل هذه المراتب وكملها فقد استكمل مراتب الدين كلها ، ومن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر ، ومن تركه مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين "[27] وقول الرسول r " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " [28] .  

القرآن والسنة الصحيحة وحي :  

ولا يجوز فصل السنة عن الكتاب فكلاهما وحي ولابد من الأخذ بهما معا , وهنا لا بد إلى التنبيه إلى حديث مشهور , قلما يخلوا منه كتاب من كتب أصول الفقه لضعفه من حيث إسناده ولتعارضه مع ما انتهينا إليه من عدم جواز التفريق في التشريع بين الكتاب والسنة ووجوب الأخذ بهما معا ألا وهو حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي r قال له حين أرسله إلى اليمن " بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله , قال : فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله , قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيي ولا آلو . قال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله " . 

أما ضعف إسناده فيكفي أن نعلم أن أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري رحمه الله قال فيه : إن حديث معاذ هذا يضع للحاكم منهجا في الحكم على ثلاث مراحل لا يجوز أن يبحث عن الحكم في الرأي إلا بعد أن لا يجده في السنة , ولا في السنة إلا بعد أن لا يجده في القرآن . وهو بالنسبة للرأي منهج صحيح لدى كافة العلماء وكذلك قالوا : إذا ورد الأثر بطل النظر . ولكنه بالنسبة للسنة ليس صحيحا ؛ لأن السنة حاكمة على كتاب الله مبنية له , فيجب أن يبحث عن الحكم في السنة , ولو ظن وجوده في الكتاب لما ذكرنا , فليست السنة مع القرآن, كالرأي مع السنة , كلا ثم كلا , بل يجب اعتبار الكتاب والسنة مصدرا واحدا لا فصل بينهما أبدا , كما أشار إلى ذلك قوله r :" ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه " يعني السنة وقوله :" لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض " . فالتصنيف المذكور بينهما غير صحيح لأنه يقتضي التفرق بينهما وهذا باطل لما سبق بيانه .[29] 

من هم أعداء السنة ؟ 

السنة صنو القرآن وهي الحكمة النصوص عليها في القرآن وقد تلقتها الأمة بالقبول امتثالا لأمر الله تعالى وعلى الرغم من ذلك فلم تسلم سنة المصطفى r من تهجم جهلة المتفقهة وعداء غلاة الرافضة والزنادقة حيث زعمت الرافضة وجوب الاستغناء بالقرآن عن السنة في أصول الدين وفروعه والأحكام الشرعية لأن الأحاديث في زعمهم رواية قوم كفار . وأخيرا أطلق أتباع هؤلاء من المتأخرين على أنفسهم ( القرآنيون ) أي العاملون بالقرآن فقط المستغنون به عن السنة ولكن تفسير القرآنيين المطابق لواقعهم هو أنهم المخالفون للقرآن المتبعون للهوى . ودعوى الاستغناء عن السنة هي في واقعها محاولة عن الإسلام بأسلوب ملتوٍ وغير صريح , ويؤكده أن دعاته في أصلهم من أصحاب البدع . وقد استدلوا على ذلك بحديث موضوع هو " ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فإني لم أقله " [30] ومنكرو السنة هؤلاء وغيرهم يحتجون بمثل " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء " [31] وما فهموا من " ما فرطنا في الكتاب من شيء " [32] وبالحديث الضعيف السابق . وهؤلاء محجوبون بالآيات الكثيرة السابقة مثل " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " . 

وللإجابة على هذه الشبه الواهية يقال : 

  1. " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء " إن القرآن بيان لأمور الدين إما بطريق النص أو بالإحالة إلى السنة وإلا لناقض قوله تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم "  
  2. " ما فرطنا في الكتاب من شيء " فالمراد بالكتاب فيه : اللوح المحفوظ لا القرآن بدليل السياق " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " أي مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم . وعلى فرض أن الكتاب هنا هو القرآن فالمعنى : ما فرطنا فيه من شيء من أمور الدين فهو دال عليها إما بطريق النص أو بالإحالة على السنة كما سبق . 
  3. وأما الحديث فيذكر الأئمة أنه مكذوب وضعته الزنادقة والخوارج . 

    وهناك قسم آخر أنكروا الاحتجاج بأحاديث الآحاد . بينما خبر الواحد الثقة حجة يلزم العمل به. 

    ومن أصول منهج أهل السنة والجماعة أنه لا أحد معصوم – أي لا يخطي – سوى من دل الدليل على أنه معصوم . وقد دل الدليل الصحيح أنه لا معصوم سوى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومنهم رسول الله r , ولا غرابة في ذلك لأنه مشروع للأمة , أما ما سواه من الأئمة والعلماء والمشايخ إذا عارض قولهم قول الرسول r رددناه بكل حب واحترام وإجلال من غير أن ينقص ذلك من قدرهم شيئا , قال الشاعر : 

    ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها       كفى المرء نبلا أن تعد معايبه . 

    ومن الأدلة على عصمته r : قوله تعالى :" (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:1-4) 

     إذا هوى , ما ضل صاحبكم وما غوى , وما ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى " [33] , وقول الرسول r :" أما والله إني لأخشاكم لله واتقاكم له " [34] , وقول الرسول r لعبد الله بن عمروا بن العاص الذي كان يكتب كل ما يقول رسول الله r " أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق " [35] , وقول الرسول r " خذوا عني , خذوا عني " [36]  

    وفي هذه الأدلة الصحيحة الصريحة وغيرها دليل قاطع على عصمة الرسول r , وهذه العصمة ليست لأحد بعد رسول الله r حتى ولو كان أقرب قريب له r . وهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول :" كل يؤخذ من كلامه ويرد إلى صاحب هذا القبر – ويشير إلى قبر النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم - . 

    وإجماع الأمة معصوم لا يجوز الخروج عليه بدليل قوله r :" إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة " [37] . لذا كان إجماع الصحابة والتابعين معصوما لا يسع أحدا أن يخرج عنه لأن إجماعهم من الحجج الشرعية الملزمة لمن بعدهم . والدليل على أن إجماع السلف الصالح حجة شرعية قوله تعالى :" ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " فهذا دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة , لأن الله عز وجل جمع بين إتباع سبيل غير المسلمين وبين مشاقة الرسول r في الشرط وجعل جزاءه الوعيد الشديد فكان إتباعهم واجبا كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام [38] . ومن الأدلة قول رسول الله r مثنيا عليهم :( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم [39]. وقوله r:( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) [40] . 

    وأخيرا يختتم هذا الأصل وهو اعتبار إجماع الصحابة والسلف الصالح حجة شرعية وأنه معصوم بقول ابن القيم عنهم :- الصحابة رضي الله عنهم أولى الأمة بإصابة الصواب فيما ثبت عنهم لما خصهم الله به من توقد الأذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الأخذ وحسن الإدراك وحسن القصد وتقوى الرب , فالعربية طريقتهم وسليقتهم والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم . 

    ومن البراهين على حقيقة إتباع الكتاب والسنة والاعتصام بهما : 
  1. أن حقيقة إتباع الكتاب والسنة لا يكون إلا بأخذ الدين كاملا وعدم ترك جانب من جوانبه, فإن الإسلام منهج حياة متكامل يغطي كل جوانب الحياة وليس مقصورا على العبادات مثلا. 

    كما يجب على المسلم الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة , وجميع ما أخبر الرسول r عن ربه تعالى سواء عرفنا معناه أم لم نعرف قال الله تعالى :" أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " [41] , وقال تعالى ذامّا بني إسرائيل :" فنسوا حظا مما ذكروا به " [42] . 

    وموقف المؤمن من السنة وأخبار الرسول r البحث في طرقها وأسانيدها , وصحة مخرجها , لا في إمكان وقوعها أو سلامتها عن المعارض العقلي أو الذوقي , بل يؤمن بالخبر متى صح ويرد ما أشكل عليه فهمه إلى عالمه والمتكلم به – ولا يسع المؤمن إلا التصديق بجميع ما أخبر به الرسول r وعدم التفريق بين النصوص في الإيمان . ومن الأمثلة على ذلك تصديق أبي بكر رضي الله عنه للنبي r في خبره عن إسرائه ومعراجه , حيث قال لقريش مجيبا لها :" فأشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق " . 

    قال الزهري رحمه الله " من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم " . 

    وكذلك الإمام مالك رحمه الله حينما سئل عن الاستواء قال :" الاستواء غير مجهول والتكيف غير معقول والإيمان به واجب السؤال عنه بدعة ... " فجعل هذا السؤال بدعه لأنه يؤدي إلى التكذيب بالنصوص والواجب الإيمان بها والتسليم لها وإن لم ندرك حقيقة ما دلت عليه من العلم بالكيفية فعدم العلم بالشيء ليس علما بالعدم . 

    والله تعالى قد أمتدح الذين يؤمنون بالغيب , وأوجب التسليم المطلق للرسول r في نصوص منها " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " وقوله :" فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " وقوله :" إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون " [43] . 
  2. الرجوع إلى فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنة , لأنهم أحق الناس بمعرفة مراد الله ومراد رسوله r , فقد عاصروا التنزيل وتربوا على يد الرسول r ولازموه وخبروا أقواله وأفعاله , وكانوا أفصح الناس لسانا فبلغتهم نزل القرآن الكريم [44]  . 

             قال ابن مسعود رضي الله عنه :" من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد r فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا , قوما اختارهم الله لصحبة نبيه r وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم على الهدى المستقيم[45]. 

    وأهل السنة المشتغلون بعلم الرسول r وعلم بطانته من أصحابه وحواريه هم أعلم الناس بهذا المورث , فتكون أحوالهم في الديانة علماً وفهماً وعملاً واعتقاداً لها ثقلها واعتبارها في فهم مراد الله ورسوله , ولهذا كان الأخذ بفتاوى الصحابة وآثار السلف أولى من آراء المتأخرين وفتاويهم , وإن أقربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر النبوة ففتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين , وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعيهم , ... ولهم جرا , فكلما كان العهد بالرسول r أقرب كان الصواب فيه أغلب , وهذا الحكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد من أفراد المسائل , فعصر التابعين وإن كان أفضل من عصر تابعيهم , فإنما ذلك بحسب الجنس لا بحسب كل شخص, وهكذا الصواب في أقوالهم وفتاويهم , فالتفاوت بين علوم المتقدمين وعلوم المتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين [46] .وكل ما سكت عنه الصحابة والسلف وتكلم فيه الخلف وذلك فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد والإيمان كان السكوت فبه أولى وأليق , ولم يأتي فيه الخلف إلا بباطل من القول وزورا [47] . وما يوجد من اختلاف بين الصحابة والتابعين في تفسير بعض الحروف فأكثره اختلاف تنوع لا تضاد . 
  3. التزام النص وطرح التأويل فالأصل عند أهل السنة هو الأخذ بظاهر الألفاظ وما دلت عليه من الحقيقة , فالقرآن نزل بلغة العرب , ومن أراد تفهمه فمن جهة لغتهم يفهم [48] . قال القاضي أبو يغلى رحمه الله " ويدل على إبطال التأويل : أن الصحابة وما بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغاً لكانوا أسبق لما فيه من إزالة التشبيه ودفع الشبهة بل قد روى عنهم ما دل على إبطاله " . 

    وقال ابن تيمية رحمه الله " إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد – إلى ساعتي هذه – عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاه المفهوم المعروف بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله ... "[49] 

    وقال ابن عبد البر رحمه الله " روينا عن مالك بن أنس والأوزاعي وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد في الأحاديث في الصفات أنهم كلهم قالوا : أمروها كما جاءت "[50] 

    وقال أبو المعالي الجويني رحمه الله " ذهبت أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها , وتفويض معانيها إلى الرب " [51] ( الحقيقة هي : تفويض كيفيتها إلى الرب ) 

    قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى " ثم استوى على العرش " : " فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا موضع بسطها وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح : مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي  وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ... "[52] 

    والسلف الصالح من الصحابة وما بعدهم عرفوا ألفاظ الصفات وعرفوا دلالة معانيها وجهلوا الكيفية حيث لم يرد عن الشارع بيانها , ولذا فقد أثبتوا اللفظ بمعناه , وفوضوا الكيفية إلى الله تعالى , فحصل لهم الإثبات لما وصف الله به نفسه أو وصفه بها رسوله r, وحصل لهم تنزيه الله تعالى حيث لم يشبهوه بخلقه وتركوا الحديث عن الكيفية . 
  4. الاعتماد على ما صح من الأحاديث؛ لأن هذه الأحاديث دين يجب الاحتياط في ذكرها وفهمها والعمل بها :  

    يعدّ المسلمون أول الأمم محافظة على شرف الكلمة وأمانة نقلها فقد ربى الله تعالى المسلمين على الاحتياط في رواية الأخبار وأمرهم أن يثبتوا في كل ما ينقل إليهم ويمحصوه ويقلبوا جوانبه ليصلوا إلى صحيح الأخبار ومن هنا حث الرسول r على الدقة والثبات في نقل أمور الشريعة ومن أقواله r :" نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع " [53] , " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " [54] , " من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " [55] . وكان أصحاب النبي r بمكان رفيع من السمع والطاعة لله وللرسول r فأثمر ذلك المنهج الذي تربوا عليه وجعلوا رواية الحديث ديناً ومعرفة فقهاً ومذاكرته عبادة وكانوا يقفون عند حدود النص لا يتجاوزونه ولا يزيدون عليه وهم الواسطة بين النبي r وبين التابعين . وكان منهج التابعين وتابعيهم في رواية الحديث والأخبار مشيداً أساسة بآيات القرآن الكريم وأقوال النبي الكريم وتطبيق منهج الصحابة بالمحافظة على سلامة النص والأمانة في النقل حتى يصل النور النبوي ببهائه إلى الأجيال عبر التاريخ وقد خص الله أصحاب نبيه بالصدق وعصمهم عن الكذب دون غيرهم ومن أجل ذلك كان العبء على النقلة من التابعين كبيراً فالتابعي إذا سمع الحديث من الصحابي فالحديث صحيح والصحابة كلهم عدول , وإذا روى التابعي الحديث عن تابعي مثله فعليه زيادة الاعتناء بأمانة النقل والتفتيش عن حال التابعي من حيث العدالة والضبط . وفي هذا المقام يقول ابن سيرين رحمه الله : لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم , فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم , وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم . وقال عبد الله بن المبارك المروزي رحمه الله : الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء . 
  5. التيقّن بأن نصوص الشرع لا تعارض بينها سواء بين آية وآية أو بين حديث صحيح وحديث صحيح أو بين آية وحديث صحيح , فالكل من مصدر إلهي واحد " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني " " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً " . 

    وأما ما يظهر للناظر من تعارض بين بعض النصوص من الكتاب والسنة فهو تعارض ظاهري يقع في نفس المجتهد وفهمه ولا حقيقة له في نفس الأمر وذلك لنقص في العلم أو الفهم أو فيهما معاً. قال الشاطبي رحمه الله " أدلة الشريعة لا تتعارض في نفس الأمر ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف , لكن قد يقع التعارض في فهم الناظرين "[56]. 

    وهناك أسباب للتعارض الظاهري منها : 
  1. ما يكون بين النصوص من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد ... 
  2. الجهل بسعة لسان العرب وأنه قد تخاطب العرب بالعام والمراد به الخاص ... 
  3. الوضع من قبل الزنادقة لبعض الأحاديث لمعارضة الصحيح للطعن في الإسلام . 
  4. ما يكون بين النصوص من تناسخ أحياناً [57] . 

     

    6- عدم معارضة ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة برأي لأحد كائن من كان : 

    وذلك لأن ما جاء فيهما وحي " إن هو إلا وحي يوحى " وأن غير الرسول لا يطاع ولا يؤخذ برأيه إذا خالف الكتاب والسنة , وقد ورد عن الأئمة الأعلام والعلماء العظام من أهل السنة والجماعة الشيء الكثير الذي يفيد هذا وينص على عدم الأخذ بأقوال الرجال المخالفة لقول الله وقول رسوله r , ومن أقوالهم : 

    قال ابن عباس رضي الله عنه :" يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر " . 

    وقال الإمام مالك ابن أنس رحمه الله تعالى " إنما أنا بشر " أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكلما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وكلما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه " .  

    وقال أيضا : " ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر– وأشار إلى قبر النبي r - " 

    وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى " وأما ما يخالف حديث رسول الله ثابتاً عنه فأرجوا أن لا يؤخذ ذلك علينا إن شاء الله , وليس ذلك لأحد شكلي ولكن قد يجهل الرجل السنة فيكون له قول يخالفها لا أنه عمد خلافها , وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل " . 

    وقال أيضاً " إذا وجدتم عن رسول الله r سنة خلاف قولي , فخذوا السنة ودعوا قولي فإني أقول بها". 

    وقال أيضاً :" لقد ضل من ترك سنة رسول الله r لقول من بعده " . 

    وقال الإمام أحمد بن حنبل " لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا " . 

    وقال أيضاً :" كل ما قلت وكان قول رسول الله خلاف قولي مما يصح فحديث النبي r أولى ولا تقلدوني " . 

    كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا أفتى يقول :" هذا رأي نعمان بن ثابت – يعني نفسه – وهو أحسن ما قدرت عليه فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب " . 

    وما ضلت الأقوام السابقة إلا بقولها برأيها " وكذلك سولت لي نفسي " وما ضلت كثير من الفرق في التاريخ الإسلامي إلا بإتباع الرأي وترك الأثر سواء الرأي الشخصي أو رأي الآخرين . 

    ومن أقول الصحابة والسلف الصالح في ذلك : قال عمر رضي الله عنه :" اتهموا الرأي على الدين". وقال رضي الله عنه :" إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " . وقال سهل بن حنيف رضي الله عنه :" اتقوا الرأي في دينكم " . وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :" يحدث قوم يقيسون الأمر برأيهم فيهدم الإسلام ويثلم ". وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :" لا يزال الناس على الطريق ما تبعوا الأثر " . وقال الأوزاعي رحمه الله :" عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه لك بالقول " . 

    7- عدم معارضة ما جاء في الكتاب والسنة بعقل : 

     بل يجب عليه أن يؤمن به ويصدقه علماً بأن القرآن والسنة الصحيحة لا تعارض العقل السليم الفطري ولله الحمد , والشرع حاكم بإطلاق ومقدم على العقل وغيره بإطلاق . وإذا علم المسلم أن الكتاب والسنة وهي بالعقل والنقل والبراهين ثابتة ثم وجد في عقله ما ينازعه في خبر الرسول r كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه , فإن العامي يصدق لأهل الاختصاص في جميع العلوم – كالطب والهندسة – وما يقولون دون اعتراض وإن لم يتضح له وجهه وإذا اتضح ازداد نوراً على نور , والمرء قد ينقاد إلى طبيب كافر يتابعه في كل ما يقول ويخبر به [58] . 

    قال شارح الطحاوية " وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص , أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه حيث قال " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " [59] ( انظر مبحث العقل والنقل اللاحق ) 

    8- جمع أطراف الأدلة قبل إصدار الحكم : 

    لكي يتمكن من الحكم الصحيح لا بد للمسلم من جمع أطراف الأدلة في هذا المقام , لأن شأن الراسخين في العلم هو تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا , فما أجمل في موضع قد يفصل في موضع آخر , وما كان عاماً في موضع قد يكون مخصصاً في موضع آخر, وما كان متشابهاً في موضع قد يكون محكماً في موضع آخر , وما كان ثابت الحكم في موضع قد يكون منسوخاً في موضع آخر , وما كان مطلقاً في موضع قد يكون مقيداً في موضع آخر . 

    فلا يمكن مثلاً أن نأخذ حكم شرب الخمر من الآية " ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " وحدها , والآية " حرمت عليكم الميتة والدم ... " مخصصة بحديث " أحّل لنا ميتتان ودمان " وغيره. 

    والإخلال في هذا الأمر كان من أهم أسباب ضلال كثير من الطوائف والفرق في التاريخ الإسلامي, ومن الأمثلة لذلك بدعة الخوارج وتكفيرهم لعلي وطلحة والزبير ومعاوية وغيرهم رضي الله عنهم لقبوا التحكيم , والخوارج فهموا أنه لا يجوز تحكيم غير الله لقوله تعالى ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) غافلين عن غير هذا النص مثل : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم ) " , (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا) 

    9- ردّ الفروع الجزئية إلى القواعد الكلية : 

    فمما لا شك فيه أن الشريعة تقوم على قواعد كلية عامة معتبرة في كل الفروع التي هي الأحكام التفصيلية للشريعة . ومن أمثلة القواعد الكلية : 
  • الأمور بمقاصدها " إنما الأعمال بالنيات " . 
  • الأصل في العبادات المنع إلا ما دل الدليل الشرعي عليه , والأصل في المعاملات الإباحة إلا ما دل الدليل على منعه . 
  • اليقين لا يزول بالشك , ومن فروع هذه القاعدة : الأصل بقاء ما كان على ما كان . الأصل براءة الذمة . 
  • لا ضرر ولا ضرار , ومن فروع هذه القاعدة : الضرر يدفع بقدر الإمكان . الضرر يزال . الضرر لا يزال بمثله . إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما . يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام . درء المفاسد أولى من جلب المصالح . 
  • المشقة تجلب التيسير , ومن فروع هذه القاعدة : الضرورات تبيح المحظورات . الضرورات تقدر بقدرها . 

           وفي الختام , اعلم أن سبب النجاة في الآخرة والنجاة في الدنيا تتم بأمر هام وهو اتباع هدي الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان ترجمة حقيقية للكتاب والسنة ودليل هذا الأصل قوله تعالى:" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " , وقول الرسول r " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى , من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " [60] 

خصائص أهل السنة والجماعة [61] 

أهل السنة والجماعة : 

 هم من كان على مثل ما كان عليه النبي r وأصحابه , وهم المتمسكون بسنة النبي r , وهم الصحابة , والتابعون , وأئمة الهدى المتبعون لهم , وهم الذين استقاموا على الإتباع وجانبوا الابتداع في أي مكان وأي زمان , وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة . 

سبب تسميتهم بذلك : 

سموا بذلك لانتسابهم لسنة النبي r , واجتماعهم على الأخذ بها ظاهراً وباطناً , في القول , والعمل , والاعتقاد . 

 

خصائص أهل السنة والجماعة 

كما أن لعقيدة أهل السنة والجماعة ميزات تمتاز بها عن غيرها من العقائد – فكذلك لأهل السنة خصائص ومميزات يمتازون بها عن غيرهم من ألأهل الملل والنحل , تلك الخصائص التي تميز به سلف هذه الأمة , ومن تبعهم بإحسان , والتي يجدر بكل من انتسب إليهم أن يأخذ بها , ويأطر نفسه عليها , حتى ينال ما نالوه من فضل وخير , ومن تلك الخصائص التي تميز بها أهل السنة والجماعة ما يلي :  

 

  1. الاقتصار في التلقي على الكتاب والسنة : 

    فهم ينهلون من هذا المنهل العذب عقائدهم , وعباداتهم , ومعاملاتهم , وسلوكهم , وأخلاقهم , فكل ما وافق الكتاب والسنة قبلوه وأثبتوه , وكل ما خالفهما ردوه إلى قائله كائنا من كان . 

    بخلاف أهل البدعة والضلالة الذين أعرضوا عن هذين المصدرين , سواء كانوا من الصوفية الذين اتخذوا دينهم عن طريق الرؤى , والأحلام , والمكاشفات , والذوق والوجد , أو من الرافضة الذين أخذوه فيما يزعمون عن أئمتهم الذين ادعوا لهم العصمة " وأئمتهم المهتدون كعلي والحسن والحسين – رضي الله عنهم – براء منهم " . 

    أو من أهل الكلام الذين ألّهوا العقل ( الهوى), وجعلوه حاكما على نصوص الوحي , أو من الذين أخذوا بالنظريات الغربية الفاجرة التي تخالف الإسلام جملة وتفصيلا , كنظريات علم النفس وعلم الاجتماع . فأهل السنة والجماعة أغناهم الله بالكتاب والسنة عن ضلالات أهل الأرض.  

     
  2. التسليم لنصوص الشرع : 

    فهم يسلمون لنصوص الشرع , سواء فهموا الحكمة منها أم لا , ولا يعرضون النصوص على عقولهم , نزولا عند قول الله تعالى :" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " وقوله تعالى " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " وقوله تعالى :" إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون "  

     
  3. فهم نصوص الشرع على مقتضى فهم السلف الصالح لها : 

    لأنهم أحق الناس بمعرفة مراد الله ومراد رسوله r , فقد عاصروا التنزيل وتربوا على يد الرسول r ولازموه وخبروا أقواله وأفعاله , وكانوا أفصح الناس لسانا فبلغتهم نزل القرآن الكريم , ولهذا كان الأخذ بفتاوى الصحابة وآثار السلف أولى من آراء المتأخرين وفتاويهم , وأن أقربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر النبوة ففتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين , وفتاوى التابعين أول من فتاوى تابعيهم . 

     
  4. الاهتمام بالكتاب والسنة : 

    فهم يهتمون بالقرآن حفظا وتلاوة , وتفسيرا , وبالحديث دراية ورواية . بخلاف غيرهم من المبتدعة الذين يهتمون بكلام شيوخهم أكثر من اهتمامهم بالكتاب والسنة . 

     
  5. عدم التفريق بين الكتاب والسنة إلا بما حدده الشارع : 

    فالكل من عند الله , والقبول لهما على حد سواء , قال تعالى :" وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى " . وقال عليه الصلاة والسلام :" ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه " . 

     
  6. احتجاجهم بالسنة الصحيحة دون غيرها : 

    فهم لا يعتمدون إلا ما صح من السنة , حيث ذلك دين لا يجوز التساهل فيه أو رفضه , أما غيرهم من الطوائف فهم كثيرا ما يبنون آرائهم على الأحاديث الموضوعة والضعيفة . 

     
  7. الأخذ بالمتواتر وبالآحاد من السنة : 

    سواء في الأحكام أو العقائد , فهم يرون حجية الحديث إذا صح عن رسول الله r ولو كان آحادا . بخلاف المبتدعة الذين يقولون : إن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة , لأنه لا يفيد إلا الظن , وهو في الوقت نفسه تثبت به الأحكام الشرعية عندهم . 

     
  8. الدخول في الدين كله : 

    فهم يدخلون في الدين كله ويؤمنون بالكتاب كله امتثالاً لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة " ( البقرة 208 ) . 

    بخلاف الذين فرقوا دينهم , وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون . وبخلاف الذين نسوا حظا مما ذكروا به , والذين جعلوا القرآن عضين . آمنوا ببعض الكتاب , وكفروا ببعض .  

     
  9. هم أعلم الناس بالرسول r : 

    فهم يعلمون هديه , وأعماله , وأقواله , وتقريراته ؛ لذلك فهم أشد الناس حباً له , وإتباعا لسنته , بخلاف غيرهم من أهل البدع الذين يعرفون عن أئمتهم ما لا يعرفونه عن رسول الله r . 

     
  10. ليس لهم إمام معظم يأخذون كلامه كله , ويدعون ما خالفه إلا الرسول r : 

    أما غير الرسول r فإنهم يعرضون كلامه على الكتاب والسنة , فما وافقهما قبل , وما لم يوافقهما رد , فهم يعتقدون أن كلا يؤخذ بقوله ويرد إلا الرسول r . أما غيرهم من الفرق الأخرى , ومن متعصبة المذاهب , فإنهم يأخذون كلا أئمتهم كله حتى ولو خالف الدليل . 

     
  11. توقير السلف الصالح : 

    فأهل السنة يوقرون السلف الصالح , ويقتدون بهم , ويهتدون بهديهم , يرون أن طريقتهم هي الأسلم , والأعلم والأحكم . 

     
  12. سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب الرسول r : 

    فقلوبهم عامرة بحبهم , وألسنتهم تلهج بالثناء عليهم , فأهل السنة يرون أن الصحابة خير القرون ؛ لأن الله عز وجل زكاهم وكذلك رسول الله r ؛ ويرون أن الكلام فيما شجر بينهم ليس هو الأصل , بل الأصل الاعتقادي عند أهل السنة هو الإمساك عما شجر بينهم . 

    ويرون أنه إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم فلا بد من التحقق والتثبت من الروايات المذكورة حول الفتنة التي وقعت بينهم ؛ ذلك أن هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف . 

    ثم إذا صحت الرواية عندهم في ميزان الجرح والتعديل , وكان ظاهرها القدح في الصحابة فإنهم يحملون ذلك على أحسن المحامل , ويلتمسون لهم أحسن المخارج والمعاذير . 

    ويرون أيضاً أن ما ثبت عن الصحابة فيما شجر بينهم أنهم فيه مجتهدون ؛ ذلك أن القضايا كانت متشابهة ؛ فلشدة اشتباهها تباينت اجتهادا تهم , وهم ما بين مجتهد مصيب فله أجران, ومجتهد مخطئ , فله أجر , وثالث اشتبه عليه الحق فآثر الاعتزال . 

    ويرون أن الصحابة – رضي الله عنهم – ندموا لما آل إليه الأمر , وحزنوا لذلك حزناً شديداً؛ لأنهم لم يخطر ببالهم أنه سيصل إلى ما وصل إليهم . 

    وأهل السنة أيضاً يرون أن الصحابة خير الناس حتى في حال القتال والفتنة والاختلاف ؛ فبرغم ما حصل بينهم إلا أنهم لم يكفر بعضهم بعضاً , ولم يبدع بعضهم بعضاً , بل كانوا يثنون على بعض , ويلتمسون المعاذير لبعض , ويترحم بعضهم على بعض , ويأخذون العلم من بعض . 

    وأهل السنة مع ذلك كله لا يعتقدون أن أحداً من الصحابة معصوم من كبائر الذنوب وصغائرها بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة , ولكن لهم من السوابق والفضائل ما يرجى معه مغفرة ما يصدر منهم . وما ينكر على بعضهم إنما هو جزء يسير ينغمر في بحر حسناتهم . 

    هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور الاجتهادية التي إن أصابوا فيها فلهم أجران وإن اخطوا فلهم أجر ؟  

     
  13. سلامتهم من تكفير بعضهم بعضاً : 

    فأهل السنة سالمون من ذلك , فهم يردون على المخالف منهم , ويوضحون الحق للناس , وهم يخطئون , ولا يكفرون , ولا يبدعون , ولا يفسقون إلا من استحق ذلك . 

    بخلاف غيرهم من الطوائف الأخرى كالخوارج الذين يكثر فيهم الاختلاف والتضليل والتكفير ؛ " ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضا عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها " . 

     
  14. الإتباع وترك الابتداع : 

    فهم لا يقدمون بين يدي الله ورسوله ولا يعرفون أصواتهم فوق صوت النبي r , ولا يرضون لأحد كائنا من كان أن يرفع صوته فوق صوت النبي r . 

    بخلاف المبتدعة الضالين , الذين ابتدعوا في الدين , مستدركين على وحي رب العالمين , ألا ساء ما يعملون . 

     
  15. الأخذ بأوامر الإسلام بقوة : 

    وذلك بالالتزام بها , وقبولها في الرخاء والشدة , والمنشط والمكره , وفي الغضب والرضا , وعند الأثرة . 

     
  16. الجمع بين النصوص في المسألة الواحدة , ورد المتشابه إلى المحكم : 

    فهم يجمعون بين النصوص الشرعية في المسألة الوحيدة , ويردون المتشابه إلى المحكم , حتى يصلوا إلى الحق في المسألة . 

    بخلاف كثير من الطوائف التي نسيت حظاً مما ذكرت به , فنظرت إلى النصوص الشرعية بعين عوراء , فضلت وأضلت , وذلك كحال المعطلة , والممثلة , والقدرية , والجبرية , والرافضة . 

     

    17- لا يتسمون إلا باسم الإسلام : 

    فهذا من أبين الفروق بين السنة والجماعة وبين أهل البدع والفرقة ؛ فأهل السنة ينتمون إلى السنة والجماعة , وأهل الأهواء والبعد كل طائفة منهم تنتسب إلى شخص من أهل البدع ورؤوس الضلالة كالجهمية , أو إلى شخص السلف في بعض الأصول كالكلابية , والأشعرية , والماتريدية , أو أصل من أصول الضلالة ؛ كالقدرية , والجبرية , والمرجئة , أو إلى ما يدل على حقيقتهم وشعارهم كالرافضة , والصوفية , والفلاسفة , والباطنية , والمعتزلة وغيرهم . 

     
  1. سلامتهم في العموم من التلبيس بالبدع والشركيات والكبائر : 

    فأهل السنة والجماعة أقل الناس وقوعا في البدع , ولا تكون فيهم الشركيات , أما المعاصي والكبائر فقد يقع فيها طوائف من أهل السنة , كما إنه قد يوجد عند بعض أهل السنة شيء من الجور , والظلم والجهل إلا أن هذه الأمور في أهل السنة قليلة بالنسبة إلى غيرهم . 

    فما عند أهل السنة من ظلم أو جور أو جهل أو غير ذلك من المخالفات – فعند الفرق الأخرى أكثر منه , ومن عند أهل البدع من علم , وعدل , وخير , وشجاعة , وجهاد – فعند أهل السنة أكمله وأتمه , أضف إلى ذلك أن ارتكاب المخالفات من قبل بعض الأفراد من أهل السنة يعد خروجا عن القاعدة , وشذوذاً عن الأصل , ثم إن أهل المخالفات لا يعدون من القدوات , ولا يقرون على ما يرتكبون من البدع , أو الكبائر , أو غيرها . 

    بخلاف غيرهم من الطوائف الأخرى كالرافضة – مثلا – فهم يرون أن تعظيم القبور , وتشييد القباب عليها من الدين , ويرون أن النفاق والكذب الذب يسمونه تقية تسعة أعشار الدين , وأن من لا تقية له لا دين له . وكذلك النصيرية الذين يقدسون الخمر ويعدونها من شرائع دينهم . 

     
  2. رفضهم التأويل المذموم :   

    الذي هو في حقيقته صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى احتماله المرجوح . وهذا النوع من التأويل هو الذي ذمه السلف وحذروا منه , ولهذا فأهل السنة يرفضونه ولا يقبلونه ؛ لعلمهم بخطره , وإدراكهم لضرره , فهو عدو الرسالات ؛ فبسببه قتل عثمان – رضي الله عنه – وبسببه اعتزلت المعتزلة , وترفضت الرافضة وخرجت الخوارج . 

     
  3. الاعقاد الجازم بأنه لا يسع أحد الخروج عن شريعة محمد r . 

    فهم يرون أن العبد لا ينفك عن عبوديته لرب العالمين , ولا يجوز له بحال من الأحوال أن يدين بدين غير الإسلام , أو أن يتبع شريعة غير شريعة النبي r , بل يرون أن العبد يجب عليه أن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين قال تعالى " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " . واليقين هنا هو الموت . 

    خلافاً للذين يتحاكمون لغير الشريعة الإسلامية , وخلافاً لمن يرون أن الشريعة قد نسخت بشريعة أخرى , كما تدعي ذلك البابية , والبهائية . 

     
  4. الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأساب : 

    فهم لا ينكرون الأسباب , ولا تأثيرها إذا ثبتت شرعا أو قدرا , ولا يدعون الأخذ بالأسباب , وفي الوقت نفسه لا يعتمدون عليها , وهم يرون أنه يجب على العبد مع الإيمان بالله , والتوكل عليه أن يجتهد في العمل , وأن يأخذ بأسباب النجاة . ولا يرون أن هناك تفانيا بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب . 

     
  5. العدل : 

    فهم أعدل الناس حتى إن الطوائف إذا اختلفت احتكمت إليهم , وهم لا يظلمون أحدا ولا يغمطونه حقه كائنا من كان – وانظر إلى أقوالهم في كتب الرجال والجرح والتعديل – ومن مظاهر عدلهم أنهم لا يكفرون كل من كفرهم . 

     

    23- عدم الاختلاف في أصول الاعتقاد :   

    فالسلف الصالح لا يختلفون – بحمد الله – في أصل من أصول الدين , وقواعد الاعقاد ؛ فقولهم في أسماء الله وصفاته وأفعاله واحد , وقولهم في القدر واحد , وهكذا في باقي الأصول . 

    واختلاف أهل السنة إنما كان في الاجتهاديات من أمور الأحكام , أو فرعيات المسائل الملحقة بالعقيدة , مما لم يقطع به نص قاطع , وذلك كمسألة رؤية النبي r لربه في المعراج هل كانت يقظة أم مناما ؟ 

     
  6. الوسطية :  

    فالوسطية من أعظم ما يتميز بها أهل السنة والجماعة, قال تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا..." قال ابن كثير "والوسط هنا الخيار والأجود" 

    وكما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم التي تجنح إلى الغلو الضار, والأمم التي تميل إلى التفريط المهلك – فكذلك أهل السنة والجماعة متوسطون بين فرق الأمة المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم. وتتجلى وسطية أهل السنة والجماعة في شتى الأمور, سواء في باب العقيدة, أو الأحكام , أو السلوك, أو الأخلاق, أو غير ذلك. ومن مظاهر تلك الوسطية ما يلي: 
  1. أهل السنة والجماعة وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل وأهل التمثيل : 

    فأهل التعطيل أنكروا الصفات ونفوها , وأهل التمثيل أثبتوها وجعلوها مما ثلة لصفات المخلوقين . 

    أما أهل السنة والجماعة فهم يثبتون الصفات لله تعالى إثباتا بلا تمثيل , وينزهونه عن مماثلة المخلوقات تنزيها بلا تعطيل . فجمعوا أحسن ما عند الفريقين ؛ أعني التنزيه والإثبات , وتركوا ما أخطأوا وأساؤوا فيه من التعطيل والتمثيل . 

     
  2. وسط في باب الوعد بين المرجئة وبين الوعيدية : 

    فالمرجئة قالوا : لا يضر مع الإيمان ذنب , كما لا ينفع مع الكفر طاعة , وزعموا أن الإيمان مجرد تصديق بالقلب , وإن لم ينطق به , وأخروا الأعمال عن الإيمان , وجوزوا أن يعذب الله المطيعين , وينعم العاصين . 

    أما الوعيدية فهم القائلون فهم القائلون أن الله يجب عليه عقلا أن يعذب العاصي , كما يجب عليه أن يثيب المطيع , فمن مات على كبيرة ولم يتب منها لا يجوز عندهم أن يغفر الله له . 

    وأما أهل السنة فوسط بين نفات الوعيد من المرجئة , وبين موجبيه من الوعيدية , فمن مات عللا كبيرة منهم فأمره مفوض إلى الله إن شاء عاقبه , وإن شاء عفا عنه , وإذا عاقبه بها فإنه لا يخلد خلود الكفار , بل يخرج من النار , ويدخل الجنة . 

     

    ج- وسط في باب أسماء الدين والإيمان , أو مسألة الأسماء والأحكام بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية : 

    والمراد بالأسماء هنا أسماء الدين مثل : مؤمن , ومسلم , وكافر , وفاسق . والمراد بالأحكام أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة . 

    فالخوارج والمعتزلة ذهبوا إلى أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدق بجنانه , وأقر بلسانه , وقام بجميع الواجبات , وتجنب جميع المنهيات . وعلى هذا فإن مرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا باتفاق الفريقين . ولكنهم اختلفوا : هل يسمى كافرا أو لا ؟ 

    فالخوارج يسمونه كافرا , ويستحلون دمه وماله , أما المعتزلة فقالوا : إن مرتكب الكبيرة خرج عن الإيمان , ولم يدخل في الكفر , فهو بمنزلة بين المنزلتين . 

    أما في أحكام الآخرة فاتفق الفريقان على أن من مات على كبيرة ولم يتب منها فهو مخلد في النار . أما المرجئة فكما سبق بيان مذهبهم , وهو أنه لا يضر مع الإيمان معصية , فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان , ولا يستحق دخول النار . 

    وأما أهل السنة والجماعة فمذهبهم وسط بينهم , فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن بإيمانه , فاسق بكبيرته , أو هو مؤمن ناقص الإيمان , قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية فلا ينفون عنه الإيمان أصلا كالخوارج والمعتزلة , ولا يقولون : بأنه كامل الإيمان كالمرجئة , وحكمه في الآخرة عندهم أنه قد يتجاوز الله عز وجل عنه فيدخل الجنة ابتداء , أو يعذبه بقدر معصيته ثم يخرجه , ويدخله الجنة كما سبق . 

     

    د- وسط في باب القدر بين القدرية والجبرية : 

    فالقدرية قالوا : إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة , وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته في ذلك أثر , ويقولون : إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله , وإنما العباد هم الخالقون لها . 

    والجبرية غلو في إثبات القدر , حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقية , بل هو في زعمهم لا حرية له , ولا فعل , كالريشة في مهب الريح , وإنما تسند إليه الأفعال مجازا , فيقال : صلى , وصام , وقتل , وسرق , كما يقال طلعت الشمس , وجرت الريح , ونزل المطر . 

    أما أهل السنة والجماعة فتوسطوا وقالوا : نثبت للعبد مشيئة يختار بها , وقدرة يفعل بها , ومشيئته وقدرته واقعتان بمشيئة الله تابعتان لها , لقوله تعالى " لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " ( سورة التكوير الآية : 28 – 29 ) 

    ويقولون أيضاً : العباد فاعلون , والله خالقهم أفعالهم ؛ قال تعالى " والله خلقكم وما تعملون " ( سورة الصافات الآية : 96 ) . 

    فأفعال العباد هي من الله خلقا وإيجاداً وتقديرا , وهي من العباد فعلاً وكسباً . 

     

    هـ- وسط في محبة النبي r بين الغالين والجافين : 

    فأهل السنة والجماعة يحبون الرسول r ويعتقدون أنه خير البشر , وأنه سيد المرسلين , وخاتم النبيين , ويرون أن أكمل المؤمنين إيماناً أكملهم محبة وإتباعا للرسول r , وهم مع ذلك يعتقدون أنه بشر , لا يملك لنفسه – فضلاً عن غيره – نفعاً ولا ضراً إلا بما أقدره الله عليه , ويعتقدون أنه مات , وأن دينه باق إلى قيام الساعة . 

    بخلاف الذين غلو فيه , فرفعوه فوق منزلته , واعتقدوا أنه يجيب من دعاه , فصرفوا له العبادة من دون الله . وذلك كحال غلاة الصوفية وبخلاف غلاة الرافضة الذين جعلوا عليا أعلى منه منزلة . 

    أما أهل السنة فتوسطوا – كما مر – فيرون أنه عبد الله ورسوله , كما أمر أن ينزل , فلم يجفوا في حقه ولم يغلوا , بل أنزلوه منزلته اللائقة به . 

     

    و- وهم وسط في أصحاب رسول الله r بين الرافضة والخوارج : 

    فالرافضة – قبحهم الله – يسبون الصحابة رضي الله عنهم – ويلعنونهم , وربما كفروهم أو كفروا بعضهم , والغالبية منهم – مع سبهم لكثير من الصحابة والخلفاء – يغلون في علي وأولاده – رضي الله عنهم – ويعتقدون فيهم الإلهية . 

    وأما الخوارج فقد قابلوا هؤلاء الروافض , فكفروا عليا ومعاوية , ومن معهم من الصحابة , وقاتلوهم واستحلوا دمائهم وأموالهم . 

    أما أهل السنة والجماعة فكانوا وسطا بين غلو هؤلاء , وجفاء هؤلاء , فهداهم الله إلى الاعتراف بفضل الصحابة , وأنهم أكمل الأمة إيمانا وإسلاما وعلما وحكمة , ولكنهم لم يغلو فيهم , ولم يعتقدوا عصمتهم , بل أحبوهم لحسن صحبتهم , وعظم سابقتهم , وحسن بلائهم في نصرة الإسلام , وجهادهم مع رسول الله r . 

     

    ز- وهم وسط في باب العقل بين الذين ألّهوه وبين الذين ألغوه :  

    فأهل السنة والجماعة لا يلغون العقل , ولا ينكرونه , ولا يحجرون عليه , بل يعتقدون أن للعقل مكانة سامية , وأن الإسلام يقدر العقل , ويتيح له مجالات العلم , والنظر والتفكير . 

    وفي الوقت نفسه لا يؤلّهون العقل , ولا يجعلونه حاكما على نصوص الوحي , بل يرون أن للعقل حدا لا بد أن يقف عنده . 

    أما غيرهم فما بين مفرط ومفرِِط في هذا الباب , فالمعتزلة والفلاسفة , وأهل الكلام عموما ألّهوا الهوى ؛ والذي يسمونه العقل, وجعلوه مصدرا للتلقي , فما وافق العقل ( هواهم )  أو ما يسمونه بالقواطع العقلية قبلوه وأخذوا به , وما خالف ذلك ردوه , أو أولوه . 

    وأما أهل الخرافة والدجل فقد ألغوا العقل , وقبلوا ما لا يقبل ولا يعقل . وذلك كحال كثير من الصوفية الذين تنطلي عليهم أكثر الأباطيل والأغاليط . 

    فالتجانية وهي إحدى الطرق الصوفية – على سبيل المثال – يعتقدون أن من رأى شيخ الطريقة أحمد التجاني دخل الجنة !! كيف يكون ذلك وأفضل البشر رسول r رآه من رآه من الكفار ومع ذلك لم تنفعهم تلك الرؤية شيئا لما كفروا بالله – عز وجل – كأبي لهب وأبي جهل ؟! أما خرافات الروافض وحماقاتهم فحدث عنها ولا حرج . 

     

    ح- وسط في التعامل مع العلماء : 

    فأهل السنة يحبون علماءهم ويجلونهم , ويتأدبون معهم , ويذبون عنهم , ويحسنون الظن بهم , وينشرون محامدهم , ويسعون إليهم ويأخذون عنهم , ويصدرون عن رأيهم , لعلمهم أن العلماء هم ورثة الأنبياء , والقائمون بهمة الدعوة الإبلاغ , وهم مفزع الأمة – بعد الله – عند الشدائد ؛ فكان واجبا على الأمة موالاتهم , وإنزالهم منازلهم , وتقديرهم حق قدرهم . 

    ثم إنهم في الوقت نفسه يرون أن العلماء بشر غير معصومين , بل يجوز عليهم – في الجملة – الخطأ , والنسيان , والهوى , إلا أن ذلك لا ينقص من أقدارهم , ولا يسوغ ترك الأخذ عنهم . 

العقل والنقل[62] 

     تقديم : 

إنّ المتأمل في حال الأمم جميعها الناجية منهم من عذاب الله والهالكين يجد أن مدار النجاة والهلاك هو في إنزال الناس عقولهم المختلفة , والناس في ذلك على أقسام ثلاثة , فقسم عبد عقله (هواه) وجعله حكماً على الأشياء كلها بما في ذلك أمر المغيبات فما لم يدركه عقله رده ولو كان آية أو حديثاً صحيحاً , وقسم أهمل عقله مطلقاً وسلم أمره لغيره حيث شاء. ولا شك بأنّ هذين القسمين من الظلال بمكان , وقسم بين ذلك وهو من استعمل عقله حيث أمره الله تعالى دون أن يعبده , ودون أن يجعله حكماً على الشرع . 

تعريفات لابد منها : 

النقل : ويسميه بعض العلماء ( السمع ) وهو كل نص معتبر شرعا مثل نصوص القرآن والأحاديث. 

العقل : يمكن أن يعرف العقل على أنه تلك الغريزة الموجودة في الإنسان والتي تستفيد من تراكم المعرفة (العلوم) .فالإنسان عادة لا يبدأ في كل مرة من البداية الأولى في كل فن بل تجده يستفيد مما مضى ويطوره .لذلك تجد اختلافا كبيرا بين مظاهر المعيشة بين كل جيل وآخر من حيث البناء أو وسائل النقل أو غير ذلك .وعلى العكس من ذلك تجد الحيوان لم يتغير فيه شيء من ذلك. 

قطعي الثبوت : هو ما يجزم به ولا يتطرق الشك بثبوته عن الشارع مثل آيات القرآن . 

ظني الثبوت : هو ما يحتمل الشك بثبوته ولو بنسبة قليلة مثل بعض الأحاديث . 

-إذا تعارض دليل عقلي مع دليل نقلي فأيهما يقدم ؟ 

وهذا سؤال وجه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فأجاب عنه –رحمه الله -  بأحد عشر مجلدا سماه "درء تعارض العقل والنقل" وسننقل بعضا مما جاء في المجلد الأول من هذا السفر العظيم ببعض التصرف للاختصار. 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (فلو تعارض دليلان قطعيان ,وأحدهما يناقض مدلول الآخر للزم الجمع بين النقيضين , وهو محال , بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي ,أو أن لا يكون مدلولاهما متناقضين)[63] 

ولتوضيح ذلك نبين ما يلي : 

أساس اللبس : 

يستطرد شيخ الإسلام مبينا أساس اللبس في تعريف القواطع العقلية أو الأدلة العقلية القطعية , لأن كثيرا مما يعده الناس قواطع ومسلمات عقلية هي ليست كذلك , أما القواطع النقلية فيمكن تمييزها مثل آيات القرآن الكريم التي تعتبر من القواطع النقلية لا يشك في ذلك مسلم , ويذكر شيخ الإسلام بخصوص القواطع العقلية ما يلي (يقدرون تقديرا يلزم منه لوازم ,فيثبتون تلك اللوازم , ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعا , والتقدير الممتنع قد يلزمه لوازم ممتنعة . 

مثال على ذلك : 

الذين يؤولون صفات الله عز وجل واجهتهم قوطع نقلية مثل قوله تعالى "خلقتك بيدي" فهذا النص دليل نقلي قاطع لا يمكن أن يقول مسلم أن الله لم يقل ذلك , فقالوا أن المقصود من هذه الآية أن الله يقول خلقتك بعنايتي لأننا لو أقررنا بأن لله يدا للزم من ذلك أننا نشبه الله عز وجل بخلقه فأصبح لدينا دليل نقلي قاطع (الآية) ودليل عقلي قاطع وهو تشبيه الله بخلقه وهما متعارضان فلزم من ذلك رد أحدهما , ولذلك لجأوا إلى التأويل ظنا منهم أنهم قد جمعوا بين الدليلين مع أن ما أسموه بالدليل العقلي في هذه المسألة ليس بدليل , لأنه لا يلزم من أن يكون لله عز وجل يد تشبيه بالمخلوقين ,وعودا إلى كلام شيخ الإسلام السابق يتضح مراده ,وهو أنهم قدروا أنه لا يتصور أن توجد يد إلا وتكون مشابهه لأيدي المخلوقين فلزم من ذلك تعارض نص الآية النقلي مع لازم تقديرهم وهو المشابهة بالمخلوقين [64] . 

العقل والشرع : 

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله ( إن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون ).ويقول في ذلك أيضا الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله ( أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد ,بل هو دون ذلك بكثير ,فإن العامي يمكنه أن يصير عالما ,ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا , فإذا عرف العامي المقلد عالما ,فدل عليه عاميا آخر .ثم أختلف المفتي والدال ,فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون الدال ,فلو قال الدال :الصواب معي دون المفتي لأني أنا الأصل الذي به عرفت أنه مفت ,فلزم القدح في فرعه !فيقول له المستفتي: أنات لما شهدت له أنه مفت ودللت عليه شهدت له بوجوب تقليده دونك ,فموافقتي لك في هذا العلم المعين لا تستلزم موافقتك في كل مسألة ,وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في عقلك بأنه مفت ,هذا مع العلم أن ذلك المفتي قد يخطئ ) [65] ويقول شيخ الإسلام ( والشرع مع العقل هو من هذا الباب فإن الشرع المنزل من عند الله ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه فهو مستغن عن علمنا وعقلنا ) [66] 

حدود القواطع العقلية : 

من التعريف السابق للعقل تتضح الحدود المسموح فيها للعقل أن يضع قواطعه أو مسلماته ,فله الحق أن يقول إن الجسم إذا ترك حرا في الهواء يسقط أرضا وله الحق في أن يقطع بان من نزل في البحر بدون آلة وهو لا يجيد السباحة فإنه يغرق فهذه كلها مسلمات وقواطع عقلية . 

نتائج حول العقل : 

  • منح الله البشر عقولا لتساعدهم في فهم شرع الله وامتثاله . 
  • النتائج العقلية في كثير من الأحوال غير متفقة مما يدل على أن العقل يبقى قاصرا عن إدراك كل شيء . 
  • الأمة لم تتوزع إلى طوائف وفرق إلا بسبب إخضاع بعضهم الشرع لعقولهم . 
  • لو كان العقل قادرا على إدراك كل شيء ,صحيحا لاستوت النتائج عند البشر ,ولما كان هناك حاجة إلى الرسالات والأنبياء والكتب . 
  • كثير مما يظن ويعتقد أنه قواطع عقلية هي في الحقيقة ليست كذلك . 
  • تقديس العقل وفد على المسلمين من خارجهم . 
  • الخوض في الغيب ينافي الإيمان به . 
  • العقل عقلان : عقل هداية وعقل معيشة ,وعقل الهداية لا يأتي بالذكاء والعبقرية وإنما منحة وتوفيق من الله تعالى ,ومن الأمثلة قصة عمر رضي الله عنه ذي العبقرية فإنه كان يعبد التمرة وإذا جاع أكلها قبل أن يعطى عقل الهداية . 

    العقلانيون  ( أهل الأهواء ) أقسام : 

1- الفلاسفة الإسلاميون كابن سيناء والفارابي وابن رشد . 

2- المتكلمون وهم الذين خلطوا ما جاء عن الله ورسوله r وما وصلت إليه عقولهم . 

3- المتصوفة وهم الذين يعتمد أكثرهم على الهوى والذوق . 

4- العلمانيون وهم من يفصل الدين عن بقية نواحي الحياة . 

* من مصادر أهل الأهواء : 

- اعتمادهم الأول على الهوى فهو المحكم عند الاشتباه. 

- تقديس آراء الرجال وتقديمها على كلام الله ورسوله r . 

- الفلسفة وهي الكلام في الأمور الغيبية بلا علم , وهي أضر العلوم على البشر قديما وحديثا. 

- دراسات المستشرقين ( عند المحدثين ) ونظرياتهم التي نشأت من منظورهم هم. 

- الاتجاه للتجديد عند بعض الناس. 

خاتمة : 

وإذا عرف المسلم حدود العقل كانت عنده أرضية صلبة متى استقرت في القلب أصبح أكثر امتثالا وإذعانا عندما يسمع آية من آيات الله أو حديثا صحيحا عن المصطفى r فلا يتجرأ ويتطاول على الأحاديث الثابتة ويزعم أنها ضعيفة لا لشيء إلا لأنها لم توافق عقله المحدود المأسور بالعواطف والرغبات الشخصية . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التكفير[67] 

التكفير أمر سمعي محض متلقى عن صاحب الشريعة لا مدخل للعقل فيه ,والدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيا قطعيا ,ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون مكن خالفهم ,وإن كان ذلك المخالف يكفرهم ,لأن الكفر حكم شرعي ,وليس للإنسان أن يعاقب بمثله . 

يفرق أهل السنة بين تكفير المطلق وتكفير المعيٌن ,ففي الأول يطلق القول بتكفير صاحبه الذي تلبس بالكفر فيقال :من قال كذا , أو فعل كذا ,فهو كافر ,ولكن الشخص المعٌين الذي قاله أو فعله ,لا يحكم بكفره إطلاقا حتى تجتمع فيه الشروط ,وتنتفي عنه الموانع ,فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها . 

ولا يؤاخذ إنسان إلا بعد قيام الحجة ,وإنما تقوم بالقرآن على من بلغه كقوله تعالى "لأنذكم به ومن بلغ" فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت الحجة عليه بما بلغه دون ما لم يبلغه . 

ويقرر ابن القيم أن العذاب يستحق بسببين ,أحدهما الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها , والثاني : العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها , فالأول كفر إعراض , والثاني كفر عناد . 

وإذا وضحت الحجة لمرتكب ما يكفر بالبيان الكافي كفر سواء فهم أو قال ما فهمت أو فهم وأنكر .والحجة تقوم على العباد بشيئين بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله ,والقدرة على العمل به . وينبغي أن يفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة ,فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا" وقيام الحجة تقتضي الإدراك وفهم الدلالة والإرشاد وإن لم يتحقق توفيق أو انتفاع قال تعالى "وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى" ,وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهما جليا كما يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره ,إن الكفار قد قامت عليهم حجة الله مع إخباره بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه . 

ومما قد يعدّ مانعا من موانع تكفير المعٌين العذر بالجهل, والقاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل, فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله وأوجب عليهم كافة أن يعلموها, ثم يعملوا بها فالعلم والعمل بها واجبان, فمن ترك التعلم والعمل وبقى جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين. 

والعذر بالجهل في مسألة التكفير لا يعني أن الجهل عذر مقبول لكل من ادعاه, فمن العلم من لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله, مثل الصلوات الخمس... 

والعذر بالجهل تتعلق به عدة أمور, منها نوعية المسألة المجهولة كأن تكون من المسائل الخفية, وحال الجاهل كحديث عهد بالإسلام أو الناشئ في البادية, وحال البيئة فقد تكون مظنة العلم أو عدمه. 

والعذر بالجهل فيمن قارفوا الكفر لا يعني نفي الكفر عنهم وقد أظهروه كما يقتضيه الحكم الدنيوي عليهم, ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم. وإقامة الحجة ليس لكل مسألة مطلقا, فهناك أمور كالمسائل الظاهرة مما هو معلوم من الدين بالضرورة لا يتوقف في كفر قائلها. 

وبيان الحكم سبب لزوال الشبهة المانعة من لحوق العقاب, فإن العذر الحاصل بالاعتقاد ليس المقصود بقاءه بل المطلوب زواله حسب الإمكان, ولولا هذا لما وجب بيان العلم ولكان ترك الناس على جهلهم خيرا لهم ولكان ترك دلائل المسائل المشتبهة خيرا من بيانها كما يقول ابن تيمية. 

وجاهل الحكم إنما يعذر وإذا لم يقصر ويفرط في تعلم الحكم, أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزما. 

وكل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل إلا أن يكون  قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة يخفي فيها مثل ذلك . 

ولا يكفر المتأول إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب, وكان له مجه في العلم, وإذا كان التأويل عذرا في مسألة التكفير, فإن هذا لا يعني أن كل من ادعى التأويل فهو معذور بإطلاق, بل يشترط أن يكون في ذلك التأويل ألا يكون في أصل الدين, ولهذا أجمع العلماء على كفر الباطنية لأنهم لا يعذرون بالتأويل. 

وإذا ظهر لنا الفرق بين التكفير المطلق والتكفير المعيّن , تبين خطأ فريقين من الناس , فهناك فريق قد غلا , فادعى تكفير المعيّن بإطلاق دون النظر إلى الشروط والموانع , وفريق آخر امتنع عن تكفير المعيّن بإطلاق فأغلق باب الردة . 

قال الشيخ ابن عثيمين: "يجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:  

  1. دلالة الكتاب والسنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق. 
  2. انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي الموانع" . 

    ومن نصوص السنة التي تردع المسلم من التسرع في التكفير, قول r " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر, فقد باء به أحدهما" متفق عليه. 

    وقد ذكر العلماء أن نواقض الإسلام عشرة : 
  1. من أشرك بالله. 
  2. من جعل بينه وبسين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة. 
  3. من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم. 
  4. من اعتقد أن غير هدي النبي r أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه. 
  5. من أبغض شيئا مما جاء به الرسول r ولو عمل به. 
  6. من استهزأ بشيء من دين الله أو عقابه أو ثوابه. 
  7. من فعل السحر أو رضي به. 
  8. من ظاهر المشركين أو عاونهم على المسلمين. 
  9. من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباع النبي r. 
  10. من أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به. 

     

    ومن نصوص العلماء الدالة على ذلك ما يلي : 

    قال ابن القيم- رحمه الله- :" وهاهنا أصل آخر, وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل وكفر جحود وعناد, فكفر الجحود: أنه يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه, وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه, وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان, وإلى مالا يضاده, فالسجود للصنم, والاستهانة بالمصحف, وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان" 

    ويقول الشاطبي- رحمه الله- :" إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا, وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما أيضا, فإن سيد البشر r مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم, وإن علم بواطن أحوالهم, ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه" 

    ويقول القاضي عياض- رحمه الله- :" كل مقالة صرحت بنفي الربوبية, أو الوحدانية, أو عبادة احد غير الله, أو مع الله فهي كفر" 

    ويقول ابن تيمية- رحمه الله- :" إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً , سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم , أو كان مستحيلاً , أو كان ذاهلاً عن اعتقاده , هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل "  

    وقال ابن راهويه _ رحمه الله _ وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به , فقال " الله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه , وأخبر بها نبيه أمته , لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها, لأن القرآن نزل بها , وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فيما روى عن العدول , فإن خالف بعد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل , لأن علم ذلك لا يقدر بالعقل , ولا بالرواية , والقلب , ولا نكفر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها , ونثبت هذه الصفات , وننفي عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه فقال : ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) . 

    ويبين ابن القيم _ رحمه الله _ هذا الشرك فيقول : " ومن أنواعه ( الشرك الأكبر ) طلب الحوائج من الموتى , والاستغاثة بهم , والتوجه إليهم , وهذا أصل شرك العالم , فإن الميت قد انقطع عمله , وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعا , فضلاً عمن استغاث به , وسئل قضاء حاجته, أو سئل أن يشفع له إلى الله فيها وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده " .  

    ويجب أن يعلم أن من قصد غير الله بدعاء أو استغاثة أو استعانة فهو كافر , وإن لم يعتقد فيمن قصده تدبيراً , أو تأثيرا , أو خلقا , فمشوكو العرب الذين قاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يقولون عن معبودا تهم أنها تخلق , وترزق , وتدبر أمر من قصدها , بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم في غير موضع من كتابه بل كانوا يدعونها , ويستغيثون بها مع إقرارهم بان الله هو المدبر الخالق الرازق . 

    ويحكي ابن تيمية الإجماع على كفر ساب نبي من الأنبياء فيقول : " من خصائص الأنبياء أن من سب نبياً من الأنبياء قتل باتفاق الأئمة , وكان مرتداً , كما أن من كفر به وبما جاء به كان مرتداً فإن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله " 

    ويقول ابن قدامه _ رحمه الله _ : " ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن من جحد آية , أو كلمة متفقاً عليها أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر " 

    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله " 

    ويقول ابن حزم _ رحمه الله _ : " إن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم وهو أن كل من بدل آية من القرآن عامدا وهو يدري أنها من المصاحف بخلاف ذلك , أو أسقط كلمة عامداً كذلك , أو زاد فيها كلمة عامدا فإنه كافر بإجماع الأمة كلها " 

    وقد قرر العلماء أن من رد حديثاً صحيحا أو كذبه فهو كافر حتى قال إسحاق بن راهويه " من بلغه عن الرسول صلى الله عليه وسلم خبر يقر بصحته , ثم رده بغير تقية فهو كافر " 

    وقال ابن بطة _ رحمه الله _ : " لو أن رجل آمن بجميع ما جاء ت به الرسل إلا شيئا واحدا كان برد ذلك كافراً عند جميع العلماء " 

    ويقول ابن الوزير _ رحمه الله _ : " إن التكذيب بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم أنه حديثه كفر صريح " 

    ويقول القاضي عياض _ رحمه الله _ : " وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل , أو شرب الخمر , أو الزنا مما حرم الله _ بعد علمه بتحريمه , كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة الصوفية وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب , وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما عرف يقينا بالنقل المتواتر كما فعل الرسول , ووقع الإجماع المتصل عليه , كمن أنكر وجوب الخمس صلوات ... وكذلك أجمع المسلمون على تكفير من قال من الخوارج أن الصلاة طرفي النهار " .  

    ويقول ابن حزم _ رحمه الله _ : " ولا خلاف بين أن اثنين من الأمة كلها أن من كفر بالصلاة, أو بالزكاة , أو بالحج , أو بالعمرة , أو بشيء مما أجمع المسلمون عليه على أن الله تعال بينه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم , ونص عليه من أعمال الشريعة فهو كافر , حابط 

     العمل "   

    أجمع العلماء على أن من صرف عبادة لغير الله تعالى فهو كافر كما يقول ابن تيمية : " فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم , ويتوكل عليهم , ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار , مثل أن يسألهم غفران الذنوب , وهداية القلوب وتفريج الكروب , وسد الفاقات , فهو كافر بإجماع المسلمين " 

    ويقول النووي _ رحمه الله _ : " اعلم أن الذبح للمعبود وباسمه , نازله منزلة السجود له , وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة , فمن ذبح لغيره من الحيوان , أو الجماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة , لم تحل ذبيحته , وكان فعله كفراً , كمن سجد لغيره سجدة عبادة " 

    ومما كتبه الشوكاني _ رحمه الله _ عن مفاسد البناء على القبور قوله : " ومن المفاسد البالغة إلى حد يرمي بصاحبة إلى وراء حائط الإسلام : أن كثيراً منهم يأتي بأحسن ما يملكه من الأنعام , وأجود ما يحوزه من المواشي فينحره عند ذلك القبر , متقرباً به إليه , راجياً ما يضمر حصوله منه, فيهل به لغير الله , ويبعد به من الأوثان , إذ أنه لا فرق بين نحر النحائر لأحجار منصوبة يسمونها وثناً , وبين قبر لميت يسمونه قبراً ... "  

    ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز : " وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم , كما قال سبحانه " ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم "  

    ويقول القاضي عياض _ رحمه الله  _ :" وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة , كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ... لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن , إذ ناقلوه كفرة على زعمهم , وإلى هذا الحد _ والله أعلم _ . 

    أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة " 

    ويقول ابن تيمية رحمة الله : " وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفراً قليلاً لا يبغون بضعة عشر نفسا , أو أنهم فسقوا عامتهم , فهذا لا ريب في كفره "  

    ويقول ابن كثير _ رحمه الله _ : " ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك ( أي كتمان الوصية لعلي بالخلافة ) فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضادته في حكمه ونصه , ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام , وكفر بإجماع الأئمة الأعلام , وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام ..." 

    ويقول مالك _ رحمه الله _ : " من شتم أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمروا بن العاص , فإن قال كانوا على ضلال أو كفر قتل " 

     

    تلخيص : قيام الحجة , وانتفاء العذر بالجهل : 
  • تقوم الحجة : بالبيان الكافي على من : 
  • تمكن من العلم , 
  • وقدر على العمل به , سواءً : 
  • فهم , أو  
  • قال : ما فهمت , أو  
  • أعرض عن الحجة , ولم يردها , أو  
  • عارضها بعد قيامها  

    إذن قيام الحجة غير فهم الحجة . 

     

     العذر بالجهل : 
  • كل جهل يمكن المكلف دفعة لا يكون حجة للجاهل . 
  • ليس الجهل عذرا مقبولاً لكل من ادعاه , فهناك ما لا يسع البالغ المكلف جهله .  
  • العذر بالجهل يختلف بحسب الأشخاص والمسائل والبيئات . 
  • العذر بالجهل فيمن قارفوا الكفر لا يعني نفي المفر عنهم , ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون , ونعتقد كفرهم , وكفر من شك في كفرهم . 

                   

     

         

البدعة[68] 

إن من كمال العبودية لله ألا يعبد إلا بما شرع , فالله هو المشرع والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ , ونحن المتبعون , وفي الإتباع الخير كله (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) آل عمران 31 , وعبادة الله بغير ما شرع تعتبر بدعة . 

تعريفها :البدعة تطلق في اللغة على : اختراع الشيء على غير مثال سابق , ومنه قوله تعالى ( بديع السموات والأرض ) . وفي أصل اللغة تشمل الممدوح والمذموم غير أنه في الإسلام غلب على المذموم من الأحداث .  

وتطلق في الاصطلاح على : الحدث في الدين الذي لا يشهد له دليل شرعي صحيح .  

وقد اشتهرت البدعة بأنها ضد السنة . والبدعة من أهم أسباب ضلال كثير من الأمم الماضية , وكثير من المنتسبين إلى هذه الأمة . وقد تكون البدعة من إحداث طريقة في التعبد لا يشهد لها الشرع , وقد تكون تركية بترك ما أحل شرعا تعبدا . 

أما الشؤون الدنيوية التي ليست تعبدية فإن النافع منها محمود , وإن الضار مذموم .  

حكمها :  

البدعة في الدين حرام بنص الكتاب والسنة وأقوال السلف التابع من الصحابة والتابعين رضي الله  

عنهم أجمعين , وأن عمل المبتدع مردود عليه . ويدل على ذلك النقل والعقل .  

من أدلة النقل :  

  1. قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )( المائدة آية 3 ) . 
  2. قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) ( التوبة آية 31 ) .قال عدي بن حاتم رضي الله عنه لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية : إنهم لم يعبدوهم , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى , إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم . رواه الإمام أحمد والترمذي . وقال شيخ الإسلام فمن أطاع أحد في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من هذا الذم نصيب . 
  3. قوله تعالى : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من هذا الدين ما لم يأذن به الله )   سورة الشورى 21    
  4. أخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " [69] .وفي رواية مسلم بلفظ " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " [70] . قال ابن رجب رحمه الله : " وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام , كما أن حديث " إنما الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها , فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون به أمر الله ورسوله فهو مردود إلى عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء " [71] .  

    ومن هنا استخلص السلف الصالح أن لقبول الأعمال شرطين هما: الإخلاص والصواب, فالإخلاص مطلوب " إنما الأعمال بالنيات ", والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك. والصواب هو موافقة الشرع وإتباعه, ومن هنا فإن حسن النية لا يحول الباطل حقا, ولا بد من الصواب بالمتابعة. 
  5. ثبت في الصحيح قوله r :" أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله, وإن أفضل الهدي هدي محمد, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار...." [72]. 

    قال الحافظ بن حجر: "وهذه الجملة قاعدة شرعية كلية بمفهومها ومنطوقها " [73] 
  6. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ", وقال أيضا: " القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة ".[74] 
  7. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة " . 
  8. قال سفيان الثوري رحمه الله :" البدعة أحب إلى إبليس من المعصية, المعصية يتاب منها ويرجع, والبدعة لا يتاب منها"[75]. 
  9. قال الإمام مالك رحمه الله:" من ابتدع في الإسلام بدعة يراها أنها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة لأن الله تعالى يقول" اليوم أكملت لكم دينكم" فما لم يكن يومئذ دينا فلن يكون اليوم دينا" [76]. 

    ومن أدلة العقل : 
  1. أن العقول غير مستقلة بمصالحها, بل هي بحاجة إلى الوحي الهادي المرشد. 
  2. أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان. 
  3. أن المبتدع معاند للشرع, ومشاق له, لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقا خاصة على وجوه خاصة. 
  4. أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع. 
  5. أنه اتباع للهوى, لأن العقل إذا لم يكن متبعا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة.[77] 

    هل هناك بدعة حسنة وأخرى سيئة؟ 

     مما تقدم يظهر للعاقل أن كل البدع سيئة ومذمومة, وأن القول بأن هناك بدعة حسنة ليس صوابا" بل هو نفسه بدعة وضلالة, ومن شر أنواع البدع, لأن الأدلة جاءت عامة ولا وجه لاستدلال محسني بعض البدع بقول عمر رضي الله عنه" نعمت البدعة هذه" حيث إن صلاة القيام جماعة. المقصود بمقولة عمر هذه. كانت مشروعة بنص هديه r, فقد صلى بالصحابة ثلاثا وامتنع عن الخروج إليهم في الرابعة مخافة أن تفرض على الأمة, ولكن بعد موته r زال الخوف لانقطاع الوحي, فأحياها عمر رضي الله عنه, ولم يبتدعها, ومراد عمر رضي الله عنه بقول البدعة البدعة اللغوية التي تطلق على كل جديد [78] المحدودة في زمن الخلفاء, فهي بدعة اعتبارية إضافية, كما أنه لا يجوز معارضة كلام الله ورسوله بكلام أي بشر لا عمر ولا غيره. 

    أما حديث الرسول r " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها, وأجر من عمل بها من بعده, من غير أن ينقص من أجورهم شيء, من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها, ووزر من عمل بها من بعده, من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" [79]فله قصة يطول ذكرها [80], والمراد من فتح بابا في المسلمين أدى بهم إلى أن يفعلوا أمرا مشروعا في الدين,وكذلك فعل الأنصاري حينما تصدق بالكثير شجع غيره من الصحابة على البذل,. وقصة الحديث ومناسبته تجعل منه دليلا للاتباع لا للابتداع, ولا يصح اعتباره مخصصا لحديث" كل بدعة ضلالة" عند معرفة سياق الحديث وقصته. وقال" في الإسلام" والبدع ليست من الإسلام, وقال" حسنة "والبدعة ليست حسنة. 

    واعلم يا أخي أن الأصل في العبادات المنع, ولا يباح ويشرع منها شيء إلا بدليل شرعي صحيح, ولأهمية العبادات فقد جاءت مقيدة إما بمكان أو بزمان أو بكمية أو بكيفية, فما هو مشروع في عبادة مكانا أو زمانا أو كمية أو كيفية قد يكون محظورا في عبادة أخرى. ولسبب إغفال هذه الحقيقة في العبادة ولغيرها شاعت البدع في المجتمع الإسلامي, كما شاعت حتى أخرجت أهلها عن طريق الحق في المجتمعات السابقة. 

    موقف أهل السنة والجماعة من البدعة [81]: 

    لقد تبين من تعريف البدعة أن خطرها عظيم, وأنها من المنكر بل من أعظم المنكرات, فهي تؤدي بالأمة إلى الهاوية, فباسم الدين يهدي الدين. وقد أرشدنا الله تعالى إلى ما ينبغي أن نعمله تجاه النكرات بقوله تعالى" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهمون عن المنكر" (آل عمران: آية 104), وهي وصية لقمان لأبنه" يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر" (لقمان: آية 17) , ومن شروط كون هذه الأمة خير الأمم هو التزامها بالنهي عن المنكر" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" ( آل عمران: آية 110) وقد أثنى الله تعالى على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في كتابه الكريم في مواضع كثيرة, وأخبر أنه سبب هلاك بني إسرائيل هو أنهم" كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون" ( المائدة: آية 79) . وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول:" من رأى منكم منكرا فليغره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم [82].وهل يستقيم أمر بمعروف دون نهي عن منكر؟ وهل يعقل من المسلمين بصفة عامة, ومن الدعاة والعلماء بصفة خاصة أن يغفلوا جانب النهي عن المنكر في دعوتهم, ؟ وفي مقدمة المنكرات البدع, قال الشاعر: 

    متى يبلغ البنيان يوما تمامه        إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم 

    واعلم أخي المسلم أن في سكوت العلماء والدعاة عن بيان البدع محاذير, أهمها: 
  • أن المبتدع أو المناصر للبدعة قد يتخذ من هذا السكوت حجة على جوازها وشرعيتها كما أن العامة سوف تقتدي بهم. 
  • المداهنة على ضلالة بنص هدي المصطفى r. 
  • أنه كتما للعلم, وفي الصحيح" من كتم علما عن أهله, ألجم يوم القيامة لجاما من نار" [83] 
  • وإن هذا السكوت الشائن من أهل الشأن لا يقف عند مجرد السلبية فقط, بل هو إيجاب في جانب البدع, لأنه دعم لها, وإشاعة لها, ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

    والعالم أو الداعية إذا لم ينكر البدع و يتصدى لها, فلا يخلوا شأنه من أن يكون: 
  • جاهلا بحكمها وبخطرها, وتلك مصيبة, فأنى لجاهل أن يقوم جهلة. 
  • مؤيدا لتلك البدع, وحينئذ يصبح داعيا إليها, ويجب كشف حاله لدى عامة المسلمين. 
  • عالما بضلالة البدع, وبخطرها, ولكنه مداهن لها, وهذه أيضا مصيبة. فما عسى أن تمون حجة هؤلاء الصامتين؟ إن أغلبهم يرى أن في الحديث عن البدعة فتنة وتفريقا لوحدة المسلمين. 

    والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل حقا الوقوف بوجه المبتدعة- وخاصة المجاهرين منهم- يسبب فرقة جماعة المسلمين؟ ثم ما هي جماعة المسلمين المراد الحفاظ عليها واجتماعها؟ 

    أما الجماعة فيعرفها لنا الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه بقوله" الجماعة ما وافق الحق, وإن كنت وحدك" [84], ويرشدنا إليها القاضي عياض رحمه الله تعالى بقوله:" عليك بطريق الحق, ولا تستوحش لقلة السالكين, وإياك وطريق الباطل, ولا تغتر بكثرة الهالكين" [85] 

    وليعلم المسلم أن بيان البدع والتحذير منها هو عين المحافظة على وحدة المسلمين وجماعتهم, ليصبح مجتمعا نقيا يحافظ على البر والتقوى, وإن دعوى تفريق الصف الإسلامي بالحديث عن البدع باطلة عقلا وشرعا. وق ابتليت الأمة الإسلامية بالبدع منذ وقت مبكر- وهو ابتلاء من الله- ولا يرتفع لأهل البدع شأن إلا حينما يضعف أهل السنة, ويتركوا ما أوجب الله عليهم من دفع ما يضر الأمة ولا سيما في عقيدتها. 

    والسؤال الآخر المهم هو: هل توقف أصحاب البدع والمذاهب الفاسدة عن نشر ضلالاتهم؟ وهل ستروها حماية لوحدة المسلمين؟ كلا فإن هدفهم فرقة المسلمين, وإن ادعوا غير ذلك. وهم لا يصطادون إلا في الماء العكر. وهم في ضلالهم أنشط من أهل الحق في حقهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهل يظن طيب القلب أن أولئك المبتدعة على اختلاف طوائفهم يقنعون بالمساواة مع أهل الحق في حقهم؟ كلا, فإنها مسألة زمن, ولو تمكنوا لما أقروا أهل الحق على حقهم, وإن في التاريخ لنا لشاهدا فهل نقرأ التاريخ؟ ثم لو فرض اتفاق أهل الحق مع أهل البدع والباطل دون تناحر, فعلى أي أساس سيقوم هذا المجتمع؟ وهل هذه الكثرة على الدخن مطلوبة لو حصلت- وهي مستحيلة-؟ 

    ولقد ثبت في الصحيح عن ثوبان رضي الله عنه, أن رسول الله r قال: " يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق , كما تداعى الأكمة على قصعتها , قيل , يا رسول الله فمن قلة يومئذ؟ قال : لا , ولكنكم غثاء كغثاء السيل . يجعل الوهن في قلوبكم , وينزع الرعب من قلوب أعدائكم , لحبكم الدنيا , وكراهيتكم الموت "[86] . 

    إذن يقاس المجتمع بمدى صلاحه واتباعه للسنة , لا بكثرته , وقد مر بنا قول ابن مسعود رضي الله عنه " الجماعة ما وافق الحق , وإن كنت وحدك " . 

    أخي المسلم : إن لنا في سلفنا الصالح لقدوة حسنة , فلنقف حيث وقفوا , ولنتعامل مع البدع حيث تعاملوا . وهذه بعض المواقف لمن هم قدوتنا , فلننظر كيف تعاملوا مع أصحاب البدع , سواء البدع التركية أو البدع الفعلية :  
  1. لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قائماً في الشمس , فسأل عنه , فقيل : إنه نذر أن يقوم ولا يقعد , ولا يستظل , وأن يصوم , فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه , فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرها " [87] . 
  2. سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجلاً عطس فقال : الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , فقال له : ما هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال إذا عطس أحدكم فليحمد الله , ولم يقل وليصلي على رسول الله . ( أخرجه الترمذي والحاكم ) .  
  3. قال عمروا بن يحيى : سمعت أبي يحدث عن أبيه , قال : كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة , فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاء أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقال : أخرج عليكم أبوا عبد الرحمن بعد ؟ , قلنا لا , فجلس معنا حتى خرج , فلما خرج قمنا إليه جميعاً فقال : يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيراً , فقال له عبد الله : فما هو ؟ قال أبو موسى : إن عشت فستراه : قال رأيت في المسجد قوماً حلقاً ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل, وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة , فيقول هللوا مائة فيهللون مائة , فيقول سبحوا مائة فيسبحون مائة , قال : فماذا قلت لهم ؟ قال : ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك, أو انتظار أمرك , قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم شيء , ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليها فقال : ما هذا الذي أراكم تصنعون ؟ قالوا : يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد , قال : فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء , ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم , هؤلاء أصحابه متوافرون , وهذه ثيابه لم تبل , وآنيته لم تكسر , والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو إنكم مفتتحو باب ضلالة . قالوا والله يا أبا عبد الرحمن ملا أردنا إلا الخير , فال لهم : وكم من مريد للخير لم يصبه , إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قول يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم , وأيما الله لا أدري لعل أكثرهم منكم , ثم تولى عنهم . قال عمروا بن سلمة _ وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم _ : رأينا عامة أولئك الذين أنكر عليهم عبد الله بن مسعود صنيعهم في المسجد يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج [88].  
  4. قال الزبير بن بكار : سمعت مالك بن انس رحمه الله واتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله  من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال إني أريد أن أحرم من المسجد , فقال : لا تفعل فقال فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر , قال لا تفعل إني أخشى عليك الفتنة , فقال : وأي فتنة في هذه ؟ إنما هي أميال أزيدها , فقال له : وأي فتنة أعظم من أنك ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم , إني سمعت الله تعالى يقول : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) [89] . 
  5. وقال أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى : لأن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع إطفائها أحب إلي من أن أرى بدعة لا أستطيع تغييرها [90] . 
  6. قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : الرجل يصوم ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع ؟ فقال : إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه , وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين , هذا أفضل . 

    أخي كانت تلك بعض المواقف الخاصة المفيدة لعموم جنسها , وأما المواقف من المبتدعة بصفة عامة فإنهم يرون أن الداعي إلى البدعة مستحق للعقوبة اتفاقاً , والعقوبة تارة تكون بالقتل وتارة بما دونه, ولا يعامل المستتر ببدعته معاملة المجاهر بها . 

    ومن أقوال العلماء في هجر المبتدع : 
  • قال عبد الله بن المبارك : " يكون مجلسك بين المساكين , وإياك أن تجلس صاحب بدعة " 
  • وقال يحيى بن أبي كثير : " إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في غيره " 
  • وقال الحسن البصري : " ليس لصاحب بدعة , ولا لفاسق يعلن بفسقه غيبة "  
  • وقال قلابة البصري : " لا تجلسوا أصحاب الأهواء , ولا تخالطوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ويلبسوا عليكم كثيراً مما تعرفون "  
  • وقال محمد بن عبد الوهاب : " أرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا " 

    وفي موقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة خلق القرآن , وفي موقف غيره كابن تيمية , ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم مما يطول التفصيل فيه قدوة حسنة . 

    ومن أهم أسباب البدع : 
  1. الجهل بمصادر الأحكام وبوسائل فهمها من مصادرها . 
  2. متابعة الهوى في الأحكام . 
  3. تحسين الظن بالعقل في الشرعيات . 
  4. الرد على بدعة ببدعة أخرى . 
  5. ترجمة كتب الفلسفة . 
  6. تقليد أصحاب الملل الأخرى . 

ومن أهم أسباب ذيوع البدع وانتشارها اعتقاد العصمة في غير المعصوم , وتهاون العلماء في بيان الشريعة . 

قاعدة في بيان البدع وتمييزها ( متى يكون الحديث بدعة ؟ ) : الأصل في العبادات المنع إلا ما جاء الدليل بمشروعيته ( جواز , أو وجوب ... ) . 

والعبادات نوعان : 

مطلقة : كادعاء , والذعر , والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ... 

مقيدة : بزمان أو مكان أو كيفية أو كمية أو بها مجتمعة أو بعضها . 

فما كان مقيداً بشيء مما مضى فلا يجوز تغييره قيده وإلا اعتبر الفعل بدعة كمن يزيد أو ينقص في عدد ركعات الفجر مثلاً أو يخرجها عن وقتها وكمن يعتكف في بيته أو يحج إلى غير مكة ... 

وما كان مطلقاً فلا يجوز تقييده وإلا اعتبر بدعة كمن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إذا عطس أو يقرأ القرآن في السجود أو يخص مذاكرة سيرة الرسول بليلة ولادته ... 

وعلامات كون الحدث بدعة: 

  • أن يراد به العبادة والتقرب إلى الله . 
  • ألا يشهد له دليل شرعي صحيح ولم يعمل به في القرون المفضلة وقد قام داعية فيها. 
  • أن يكون مراداً في ذاته بخلاف المصالح المرسلة . 
  • أن يداوم عليه . 

    وليعلم المسلم أن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقاً للشريعة في ستة أمور [91] : 
  1. السبب : فإن العبادة إذا قرنت بسبب ليس شرعياً فهي بدعة , مثل الاحتفال بالمولد , أو إحياء ليلة 27 من رجب . 
  2. الجنس : كأن يضحي إنسان بفرس 
  3. القدر: كصلاة الظهر خمساً . 
  4. الكيفية : كالوضوء على غير ترتيبه . 
  5. الزمان : كأن يضحي في أول أيام ذي الحجة . 
  6. المكان : كالاعتكاف في غير المسجد . 

    الاحتفال بذكرى المولد النبوي وحكمه :  

    ومن الأمثلة على البدعة ما يفعله بعض الناس في بعض الأقطار الإسلامية من الاحتفال بمناسبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم , ولكي نكون على بصيرة مما نعمل لا بد لنا من وقفت تأمل حول شرعية مثل هذه الأعمال ومدى ملاءمتها لأصول ديننا , , وهل هي من السنة أو من البدعة . وقبل البدء في ذلك يحسن أن نستعرض بعض الأصول التي أظن أن كل مسلم واع يقر بها ولا يوجد لديه شك فيها . 

    ومن هذه الأصول : 

    أولاً : إن الله عز وجل قد ارتضى لنا الإسلام ديناً ولا يقبل منا أيدين سواه كما قال تعالى ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) . 

    ثانياً : إن أكمل البشر هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يعبد أحد الله حق عبادته أفضل ولا أكمل منه صلى الله عليه وسلم كما قال صلى الله عليه وسلم " أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له ... الحديث " , وكذلك أفضل المجتمعات هي مجتمع الصحابة والتابعين وتابعيهم , كما قال صلى الله عليه وسلم " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " . 

    ثالثاً : إن كيفية عبادة الله عز وجل أمر عظيم لا ينبغي تلقيه إلا من الله سبحانه وتعالى عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم , وإلا لاخترع كل رجل أموراً يعبد الله عز وجل بمقتضاها على هواه , ويلزم من ذلك تعدد الشرائع في الإسلام . 

    رابعاً : إنه بموت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد انقطع الوحي , وهذا يقتضي أن أي أمر عبادي جاء بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لم يشرعه الله لنا ولم يطلب منا عمله , قال تعالى  ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) . 

    خامساً : إن تمام محبة أي شخص كان تستلزم طاعته فيما يأمر واجتناب ما ينهى عنه . 

    سادساً : إن أمة الإسلام أمة عزيزة ومتميزة ولا تقلد الآخرين .  

    ولنبدأ بنظرة عاجلة على الاحتفال بالمولد : 

    أليس هو في أبسط صورة عبارة عن حفل أو وليمة في يوم معين في السنة ويذكر فيها بعض المدائح الشعرية والأهازيج والأذكار ويقصد من ورائها إظهار محبة الرسول صلى الله عليه وسلم, وبالتالي الحصول على الأجر والثواب من الله بإقامة هذا المولد . إذا كان الجواب بنعم ,فلننظر مدى صحة هذا العمل وذلك بعرضه على الأصول الستة السابقة ونرى مدى ملاءمته لها : 

    أولاً : إذا كان ديننا هو الإسلام الذي ارتضاه الله عز وجل لنا فإن الإسلام بتعاليمه وأوامره ونواهيه محفوظ في كتاب الله وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولا توجد آية أو حديث يقر بإقامة الموالد . 

    ثانياً : لا شك أن ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقدمة في حياته ونحن متفقون على أنه صلى الله عليه وسلم أتقى الناس وأخشاهم , فإقامة مثل هذه الموالد تلتزم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعبد الله حق عبادته وهو مالا يقوله مسلم وكذلك يستلزم أن جيلنا أحسن عبادة من القرون المفضلة الواردة في الحديث السابق وهذا تكذيب لقول الرسول صلى الله عليه وسلم . وهنا لا بد من التنبيه إلى أن الموالد ما أقيمت إلا بعد مرور أكثر من ستمائة عام على وفاته صلى الله عليه وسلم لأن الذي أقامها هو الملك المظفر صاحب أربل من أعمال الموصل سنة ستمائة وخمس وعشرين من الهجرة . فتأمل يا أخي المسلم حال المسلمين قبل هذه القرون الست الذين لم يقيموا الموالد , وقارن حالهم بحال المسلمين بعد هذه القرون , تجد أن المسلمين قبلها كانوا أعزة أقوياء , وكانوا هم قادة البشرية . أفلا يسعنا ما وسعهم . 

    ثالثاً : أن إقرار الاحتفال بالمولد يستلزم أن يخترع كل شخص طريقة يتعبد بها الله عز وجل وهذا قدح في تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الدين وأن أمور التعبد ليست مستقاة من هديه صلى الله عليه وسلم بل من ابتكارات الناس . 

    رابعاً : أن قيام مثل هذه الموالد واعتبارها من الدين يتقرب من الله بها هو رد لكلام الله عز وجل وإعراض عن آياته فإن الله عز وجل يقول ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ونحن بإقامتنا لهذه الموالد نعتبر أن الدين لم يكمل وقت نزول هذه الآية وهانحن قد أكملنا الدين بهذا العمل أو ذاك والذي لم يرد ذكره في الكتاب أو السنة أو عمل الصحابة والتابعين . 

    خامساً : من الأمور المسلمة أن إرضاء المحبوب أيا كان يتم بالأمور التي يحبها هو وليس التي نحبها نحن فإنك إذا أردت أن تهدي شخصاً محبوباً إليك هدية فإنك تلتمس أحب الأشياء إلى نفسه هو وليس إلى نفسك , وكذلك إظهار محبته صلى الله عليه وسلم تستلزم عمل ما كان يحبه صلى الله عليه وسلم القائل ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين , تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) , وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " , ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أحب مثل هذه الموالد لأقامها أو أقامها صحابته رضي الله عنهم من بعده . 

    سادساً : المتأمل لمثل هذه الأعمال يرى أن فيها مشابهة صريحة للنصارى وغيرهم من احتفالاتهم ومعلوم أننا قد نهينا عن التشبه بالنصارى وغيرهم من الكفار . 

    في هذه العجالة قد ذكر الموالد بأبسط صورها وإلا فإنه معلوم ما يحدث في كثير من الموالد من دعاة الرسول صلى الله عليه وسلم أو ألا دعاء بأنه يحضر مثل هذه الموالد حين إقامتها أو الاختلاط بين الرجال والنساء ولم أتطرق إليها لأنه إذا علم بطلان إقامة الموالد وهي بأبسط صورها فمن باب أولى حرمتها إذا اشتملت على مثل هذه المنكرات . 

    لماذا لا نعد الاحتفال بالمولد مصلحة مرسلة : كما يدعيه أصحاب الموالد ؟ 

    لا نعده كذلك لأسباب منها :  

    *لم يرد نص صحيح يشهد له . 

    * لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم , ولا صحابته الكرام ولا خير القرون . 

    * وقد وجد السبب الداعي للاحتفال وهو المولد . 

    * وكان باستطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام فعله , لأنه لا مانع عقلاً من ذلك , ولكنهم لم يفعلوا . 

    * لأن الاحتفال بذاته مراد , لا مجرد الذكر كما يدعونه , وكذلك لأن الذكر يمكن أن يكون في أي وقت , فهو عبادة مطلقة , وقد يوجد وقت أفضل وأنسب للمسلمين , ولكن أصحاب الموالد لا يفعلون ذلك فيه , فهم يريدون ذات اليوم . 

    * أن الذكر والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم والتذكير بسيرته من العبادات المطلقة التي لا يجوز التزام قيد لها بلا دليل . 

    وأخيراً لابد من التذكير بأن الأمة الإسلامية بحاجة إلى العمل الجاد والمثمر من أجل عودتها إلى قيادة البشرية من جديد وأن تسريب عواطف المسلمين من خلال مثل هذه الموالد وغيرها هو من باب تبديد الجهود إضافة إلى ما فيه من الوزر وارتكاب المحظور , وكذلك لا بد من وزن أي عمل يراد به وجه الله عز وجل بموازين الإسلام من كتاب وسنة وعمل الصحابة وعن طريق فهم أسلافنا له , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين . 

مقدمة تدريس التفسير 

      كتب التفسير واتجاهاتُها [92] 

مقدمة: 

التفسير : هو بيان معاني القرآن الكريم , فهو تفسير وبيان لنص إلهي لا بشري, ومن هنا فليس كل أحد يحسن تفسير القرآن , بل لا يجوز لغير أهله الذين توفرت فيهم شروط المفسر , قال الله تعالى : ] وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ[ {الإسراء/36} 

" ويجب على أهل العلم أن يبينوا معاني الآيات للناس, ] وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَه [{آل عمران/187} . وتبيين الكتاب للناس شامل لتبيين ألفاظه ومعانيه, فيكون تفسير القرآن مما أخذ الله العهد على أهل العلم ببيانه . 

والغرض من تعلم التفسير هو الوصول إلى الغايات الحميدة والثمرات الجليلة , وهي التصديق بأخباره والانتفاع بها وتطبيق أحكامه على الوجه الذي أراده الله ليعبد الله بها على بصيرة ) . [93] 

"وقد بلغ مجموع التفاسير الموجودة بين يدينا اليوم أكثر من مائه تفسير غير المفقود منها , وغير الذي لم يطبع بعد ".[94] 

فهل كل هذا العدد من التفاسير التزم أصحابها بالمهج الصحيح في بيان آيات القرآن كما أراده تعالى ؟ 

بعد خير القرون, وبعد أن كثرت الطوائف والفرق وأهل الأهواء أصبح كلّ يفسّر القرآن على ما يوافق هواه أو اتّجاهه, وأحياناً بدعته . قال الدكتور محمد حسين الذهبي: " وبعد , فقد قرأت في كتب التفسير قديمها وحديثها ما شاء الله أن أقرأ , قرأت فيها على اختلاف مناهجها , وتباين اتّجاهاتها, وتلوّن أساليبها , فرأيت الكثير منها لا يخلو من اتّجاهات منحرفة في فهم النص القرآني , وتأويلات باطلة , بعضها متكلّف مرذول , يمجّه الذوق السليم , وتأباه بلاغة القرآن الكريم, وبعضها لا يتّفق وقواعد الدين , وربما خرج بصاحبه إلى زمرة من ليسوا بمسلمين ! "[95] . 

ولذا فإنه كما وُجِدَ الكثير من المفسرين ساروا على منهج سلف الأمة من الصحابة ومَن بعدهم , وُجِدَ آخرون خالفوا منهج السلف الصالح مخالفة محدودة وقليلة أو مخالفة شائعة وكثيرة. 

كما وجد الكثير من كتب التفسير بالرأي بقسيمه : المحمود والمذموم . وعلى المسلم أن يحرص على الاعتماد على ما يطمئن إلى منهجه واتجاهه من المفسرين , وبالأخص الذين ساروا على منهج السلف الصالح .  

ولمعرفة ذلك , يمكن أن يستأنس بباب " الأسماء والصفات " وموقف المفسر منها , لتكون معياراً  لمدى موافقة المفسر لمنهج السلف في العقيدة أو مخالفة لها : 

  • فمن وافق السلف الصالح في هذا الباب ولم يؤول فالغالب أنه موافق لهم في جميع المنهج والاعتقاد . 
  • ومن خالفهم في هذا الباب فقد يخالفهم في غيره من المنهج والاعتقاد وقد لا يخالفهم . 

    قال أبو عبد الله محمد محمود النجدي :( وذلك أن بيان مذهب المفسر في (الأسماء والصفات ) يدل على التزامه بباقي المذاهب كالاعتزال أو الأشعرية أو غيرها ) [96]  

    ويجب على العالم ؛ مدرساً أو سواه أن يوجه المبتدئين والذين هم ليسوا من طلاب العلم إلى القراءة في كتب التفسير التي التزمت منهج السلف الصالح فقط , وفيها الكفاية . 

    أما المتقدمون في دراستهم من طلاب العلم فيوجهون إلى الاستفادة من بعض كتب التفسير التي خالفت منهج السلف مخالفة قليلة ومحدودة بعد أن يبين لهم وجه المخالفة ليحذروه . 

    أما كتب التفسير التي خالف أصحابها منهج السلف مخالفه شائعة وكبيرة مما ألفه غلاة المبتدعة وغيرهم فلا ينصح أحد بالقراءة فيها " لا تجلس إلى صاحب بدعه فيقذف في قلبك ", وقد يحتاج الباحث المجتهد إلى مطالعتها للرد عليها أو لمصلحه أخرى راجحة . 

    وتجدر الإشارة إلى أنّ تراجم معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى نوع من أنوع التفسير,  بل هي من أخطر أنواعه لأسباب, منها : 

    * صعوبة وجود من يجيد اللغتين (العربية والأخرى المترجم إليها) بدرجه متساوية.  

    * فإن وجد ذلك فالغالب أن يكون هذا المجيد ليس خبيرا ًبالعقيدة بتفصيلاتها , فغالب العلماء الذين يشار إليهم بالبنان في التفسير والعقيدة لا يجيدون إلا لغة واحدة. 

    * أن القارئ للنص بغير العربية يعزل غالبا عن معرفة نصها العربي , ومن ثم فلن يحس في المخالفة إن وجدت . 

    * إن المترجم يختار من كتب التفسير مادته , فإن اختار تفسيرا صالحا كانت الترجمة صالحة في الغالب, والعكس بالعكس . 

    والخلاصة أنّه عند نقل القرآن إلى لغة أخرى غير العربية فإنّ المعاني لا تستوفى كما هي مستوفاة باللغة العربية، وإنّ الإعجاز الذي يحمله منهاج الله والذي تحدّى به العرب والإنس والجنّ يفقد كثيرا من خصائصه، وإنّ البيان المعجز المؤثّر في النفس يختفي معظم تأثيره، ولا يبقى الكلام عندئذ كلام الله، ولا القرآن قرأنا، ولا التلاوة تلاوة . [97] 

    وهذا تعريف موجز ببعض كتب التفسير , وبعض اتجاهاتها : 

    1_ جامع البيان في تأويل آي القرآن  للطبري _310هـ. 

    تفسير سلفي , قال عنه ابن تيميه : ( من أجل التفاسير المأثورة وأعظمها قدرا ) . 

    يلتزم ذكر الروايات بأسانيدها دون الإشارة إلى الصحيح منها في الغالب على قاعدتهم (من أسند لك فقد حملك ).  

     

    2_تفسير القرآن العظيم  لابن كثير 774هـ 

    من أشهر ما دون في التفسير بالمأثور بعد تفسير ابن جرير , يعتني بالرواية ويذكر الأسانيد ويهتم بتصحيح الروايات وتضعيفها , وذكر الجرح والتعديل في الرواة , سلفي العقيدة , ينقد الإسرائيليات ويحذر منها .  

     

    3_تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي 1376هـ 

    تفسير وسط اهتم ببيان معاني القرآن دون الانشغال بالألفاظ والنحو والشعر . 

    سلفي دافع عن عقيدة السلف وأثبت الأسماء والصفات ورفض التأويلات ورد عليها . 

    قليل التعرض  لذكر الأحاديث لكنه يذكر معناها في السياق لاهتمامه ببيان المعنى بأسهل طريق . 

    أعرض عن ذكر الإسرائيليات ورد على بعضها . 

     

    4_أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي1393هـ 

    سلفي المذهب دافع عن المذهب السلفي وأطال في تقريره  

    وهو يفسر القرآن بالقرآن ,  

    ويذكر الأحاديث والآثار بلا إسناد في الغالب مع عزوها لمصادرها بعد بيانه للآية بالقرآن تتميما لبيان معنى الآية . 

    يهتم بالمباحث الأصولية ,  

    ولا يعتمد على القراءات الشاذة ,  

    ولا يذكر الإسرائيليات ,  

    ويهتم باللغة ويتوسع فيها أحيانا . 

     

    5_معالم التنزيل للبغوي 510 هـ 

    تفسير سلفي سهل موجز , وهو في الأصل مختصر من تفسير الثعالبي لكنه لم يورد أقوال المبتدعة والأحاديث الموضوعة كما قال ابن تيميه . 

    ينقل عن السلف في تفسير الآيات دون ذكر للإسناد غالبا لكونه قد ذكر أسانيده إليهم في المقدمة ويتحرى الصحة فيما يسنده إلى الرسول صلى الله علية وسلم . 

     

    6_فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ 

    أول بعض الصفات متابعا للقرطبي وغيره . 

    ويمتاز هذا التفسير بالتحذير من البدع المضللة والعقائد المنحرفة والتقليد الأعمى ويؤخذ عليه ذكر بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة دون التنبيه عليها , يهتم باللغة كثيرا . 

     

    7_في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ 

    أول بعض الصفات , يفسر الآيات بأسلوب أدبي رصين ولغة سهله . 

    يحرص فيه على مداواة أمراض المجتمعات الإسلامية المعاصرة , يذكر الأحاديث والآثار بلا إسناد  

    ولا يذكر المباحث اللغوية والنحوية والشواهد الشعرية . 

     

    8_تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي 864هـ ولجلال الدين السيوطي 911هـ 

    المحلي من الكهف إلى الناس ثم بدأ بالفاتحة ومات وأكمله السيوطي من الفاتحة إلى الإسراء . 

    كلاهما مؤول للصفات على مذهب الأشاعرة . 

    يذكران الأحاديث وأسباب النزول والآثار بلا إسناد ولا عزو لمصدرها غالباً . 

    أشتهر بين الناس لسهولته واختصاره . 

    9- الجامع لأحكام القرآن  للقرطبي 671هـ  

    يفيض في آيات الأحكام ويذكر اللغات والأعراب والقراءات . 

    ويكثر من إيراد الأحاديث بلا إسناد غالباً . 

     

    10- إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982هـ  

    مؤول الأشعري ,  

    تفسير حسن لا طويل ولا قصير ,  

    مولع بذكر الناحية البلاغية , 

    ويعتمد على الكشاف والبيضاوي . 

     

    11- لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741هـ 

    يؤول كثيراً من الصفات , اُختصر من تفسير البغوي ومن غيره وليس له فيه كما يقول مؤلفه  "سوى النقل والانتخاب تجنباً حد التطويل والإسهاب" . 

    يورد الأحاديث دون إسناد , ويعني جداً بالناحية الفقهية . 

    وهو من أبرز من يعني بالإسرائيليات والقصص . 

     

    12- البحر المحيط لأبي حيّان 745هـ  

    مؤول أشعري , اتخذ الزمخشري وابن عطية والرازي والباقلاني عمدة له في هذا الكتاب , وهو مرجع مهم لوجوه الإعراب لألفاظ القرآن . 

    ينقل عن الزمخشري ويتعقبه في اعتزالياته وكذلك يتعقب ابن عطية . 

     

    13- الكشاف عن حقائق النتزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري 538هـ 

    تفسير يتنصر لمذهب المعتزلة بكل قوة , ويمتاز بالكشف عن جمال القرآن وسحر بلاغته ولغته , إلاّ أنه غلا في الناحية اللغوية حتّى ردّ بعض القراءات السبعة إذا لم توافق مذهبه النحوي ... قال الذهبي: " صالح لكنه داعية إلى الاعتزال أجارنا الله فكن حذراً من كشافه " . 

     

    14- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 541هـ  

    لخصه مؤلفه من كتب تفاسير المنقول كلها وتحرّى ما هو أقرب للصحة منها بعبارة سهلة , واعتنى بالناحية اللغوية إلاّ أنه غلا فيها حتى ردّ بعض القراءات السبع إذا لم توافق مذهبه النحوي. 

    وهو كتاب يحتج لتأول الأشاعرة . 

     

    15- زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597هـ 

    في الصفات كان مضطرباً , قال عنه ابن تيمية " إنّ أبا الفرج نفسه متناقض في هذا الباب لم يثبت على قدم النفي ولا على قدم الإثبات ..."  

    ينقل من أقوال السلف في الآية بدون أسانيد . 

     

    16- النكت والعيون للماوردي 450هـ 

    أشعري يختار أقوال المعتزلة أحياناً , 

    لا يذكر الأسانيد ولا يعزو الروايات إلى مخرجيها . 

     

    17- مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 701هـ 

    من غلاة الأشعرية المؤولة , اختصره من تفسير البيضاوي ومن الكشاف مع تركه لاعتزالياته , وهو وسط بين الطول والقصر , جامع لوجوه الإعراب والقراءات والنكت البلاغية . 

     

    18- كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الكلبي 741هـ 

    مؤول لأغلب الصفات ومفوض لبعضها , وهو كتاب تفسير مختصر من غير إخلال , لخصه مؤلفه من كتب التفاسير الماضية , يذكر الأحاديث مختصره بلا إسناد ولا عزو لمخرجيها , ويهتم بذكر القراءات ويبين معانيها . 

     

    19-الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي 876هـ 

    مؤول أشعري , اختصره من تفسير ابن عطية وغيره , فهو كتاب جامع لخلاصات كتب مفيدة , ليس فيه حشو ولا إملال . 

    ينقل عن كتب الأحاديث وغيرها بلا إسناد غالباً . 

    يهتم بالجانب اللغوي . 

     

    20_روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي 1270هـ 

    يميل إلى التصوف ويقع في شطحاته أحياناً . 

    ينتصر لمذهب الأشاعرة مع الوقيعة في أئمة السلف أحياناً , وأحيانا ينتصر لهم فهو متردد , وضم في تفسيره معظم بحوث الرازي . وهو موسوعة تفسيرية قيمة لخلاصة ما سبقه من التفاسير , ينقل منها , ويتوسع في الصناعة النحوية , ويشدد النقل للإسرائيليات والأخبار المكذوبة . 

     

    21- تفسير القرآن الحكيم المشهور باسم "تفسير المنار " لمحمد رشيد رضا 1353هـ 

    هو أحد رجالات المدرسة الإصلاحية التي تميل لمذهب الاعتزال , تأثر بشيخه محمد عبده ونقل عنه كثيرا , وتبعا له فقد أنكر بعض علامات الساعة كنزول عيسى وخروج الدجال والمعجزات الحسية للنبي والأنبياء من قبله عليهم السلام والملائكة والجن وقتال الملائكة مع المؤمنين . 

    أما في الصفات فقد أثبت معظم الصفات على طريقة السلف , ووقع منه شيء في التأويل والتردد في بعض الصفات . ولا يتعرض لفنون اللغة إلا قليلا مقل لذكر الإسرائيليات ومنكر لها . 

     

    22-تفسير المراغي للمراغي 1371هـ  

    مؤول لجميع الصفات . 

    والمراغي من تلاميذ المدرسة الإصلاحية العقلية , وقد بث آراء هذه المدرسة في تفسيره . وقد زل في متابعته للنظريات الغربية , وتعظيمه للعلم المادي من مثل قوله "إن البحث العلمي والتاريخي لا يؤيد أن آدم أبو البشر ؟! يذكر الأحاديث والآثار بلا إسناد . 

     

    23-المصحف المفسر لمحمد فريد وجدي 1373هـ 

    مؤول في معظم الصفات , وهو تفسير مختصر اعتنى باللغة وشرح مفرداتها .  

    مقل من ذكر الأحاديث . 

     

    24-صفوة البيان لمعاني القرآن لحسين محمد مخلوف  

    مؤول لأكثر الصفات ويختار التفويض أحيانا ,وقد خلط بين مذهب السلف والخلف . 

    تفسير مختصر من غير إخلال ولا تطويل . 

    لم يتعرض للإسرائيليات والنحو والشعر والقراءات . 

    وعليه مآخذ كثيرة . 

 

 

تفسير القرآن بأقوال التابعين 

 

 

التفسير في العصر الحديث 

 

 

الرأي المذموم 

 

 

مخالفة شائعة 

 

 

 

عصر الاختصارات والشروح 

 

التفسير بالرأي 

 

 

مخالف لمنهج السلف 

 

 

تفسير القرآن بأقوال الصحابة 

 

 

استقلال التفسير عن علوم الحديث 

 

 

الرأي المحمود 

اتجاهات التفسير عقديا 

 

مخالفة محدودة 

مصادر التفسير 

 

مراحل التفسير 

التفسير في أول التدوين 

أنواع التفسير 

 

 

 

 

 

تفسير القرآن بالسنة 

 

 

تفسير التابعين 

 

 

 

 

 

 

تفسير القرآن بالقرآن 

 

 

تفسير الصحابة 

 

التفسير بالمأثور 

 

 

موافق لمنهج السلف 

 

 

 

 

تفسير النبي 

 

 

 

 

 

 

 

 

الموقف الصحيح مما جرى بين الصحابة الكرام من شجار * 

هذه بعض القواعد والأمور التي يجب ملاحظتها في هذا المقام : 

1-وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم فهو الأصل , يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :"إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا" (قواه الألباني بطرقه وشواهده ), فإن كان هناك مصلحة راجعة للحديث عما دار بينهم فليفعل المؤمن ذلك بضوابط منها: 

*ألا يحدث العامة أو من لا يستطيع فهم طبية ما دار بينهم لأن في ذلك فتنة لهم وقد يحملهم الحديث على الانتقاص من قدر الصحابة أو بعضهم أو الطعن فيهم . قال علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله " وقال ابن مسعود رضي الله عنه :" ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" رواه مسلم وقال البخاري رحمه الله :"باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا" . 

*ومنها وجوب الاعتماد على ما صح من الروايات عن طريق الثقات وترك ما روج له من كثير من المبتدعة (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) ومن الكتب المهمة الصغيرة في هذا الباب : العواصم من القواصم لأبي بكر ابن العربي واعتقاد أهل السنة للصحابة لمحمد بن عبد الله الوهيبي , ومنها ما كتبه الاخباريون والمؤرخون الثقات كالطبري ابن عساكر وابن الأثير وابن الكثير ممن يورد الروايات باختلاف أنواعها مسنده على قاعدتهم "من أسند لك فقد حملك " مع التنبه إلى أن ما وصلنا من هذه التركة وصلنا لا على أنه هو تاريخنا لا على انه مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا , وهذا يمكن إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع . أما ما كتبه جرجي زيدان وأمثاله من النصارى والضالين فمتروك في الغالب .  

ويجب على المسلم الحذر من بدع المؤرخين إلى الطبري , ويتأكد الحذر من المسعودي وما كتبه في "مروج الذهب " فإنه شيعي يروي الضلالات وكذلك الحذر من كتاب " الإمامة والسياسة " والمنسوب زورا لابن قتيبة .[98] 

ومهما جرى بينهم من الخلاف فهو لا ينقص من قدرهم وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأنه لا عصمة لغير الأنبياء , فهم رضي الله عنهم بشر يجتهدون ويصيبون وقد يخطئون , والواجب علينا الرضا عنهم والدعاء لهم (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ). 

 

2_إن هذه الأحداث مقدره على الأمة وامتحان لها , والامتحان سنة مرّ بها الأنبياء ويمر بها من هم على طريقهم (احسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون , ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ّ الله الذين صدقوا وليعلمن ّ الكاذبين ). 

وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الأحداث وتنبأ بها كمثل قوله صلى الله عليه وسلم (ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )رواه البخاري [99], وكقوله صلى الله عليه وسلم (عمار تقتله الفئة الباغية ) ورواية أبي موسى أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم (... ثم افتتح رجل آخر وكان متكئا فجلس فقال :افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه أو تكون فإذا عثمان ففتحت له وبشرته بالجنة فأخبرته بالذي قال . فقال: الله المستعان ) رواه البخاري . وقال صلى الله عليه وسلم (يا عثمان إن الله مقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ) رواه البخاري ومسلم. 

وعن عبد الله بن عمر الخطاب رضي الله عنهما قال : ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فتنة فمرّ رجل فقال صلى الله عليه وسلم : (يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما قال فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان . 

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحد ا وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فرجف بهم فقال : (اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ) رواه مسلم.  

 

3_أن جميع الصحابة مؤمنون وعدول وخير من غيرهم وإن وقع بينهم قتال أو خصام نتيجة اجتهاد يصيب بعضهم فيه ويخطئ بعضهم قال تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) فسماهم مؤمنين رغم اقتتالهم وكما ورد قول النبي e في شأن الحسن رضي الله عنه " ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " فقد وصف كلتيهما بالإسلام . 

 

4- وأن مثيري الفتنة ومن دبروا قتل عثمان رضي الله عنه ليسوا من أتباع على رضي الله عنه وليسوا من أتباع معاوية رضي الله عنه وليسوا من أتباع عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم وإنما هم من أعداء الإسلام من اليهود والمجوس كادوا للإسلام وأشعلوا نار الفتنة يتزعمهم اليهودي الصنعاني عبد الله بن سبأ ابن السوداء الذي أظهر التشيع لعلي ولآل البيت للوقيعة بين المسلمين وأشاعوا ظلماً أن عثمان رضي الله عنه وولاته ظلموا الناس ولما وقعت الكارثة وقتل عثمان رضي الله عنه انضم هؤلاء المردة إلى معسكر علي رضي الله عنه ثم ساروا للعراق – إلى الكوفة والبصرة – حيث أصبحوا بين أنصارهم وفي منعة بين قومهم من علوج الفرس وأمثالهم , وليس لعلي رضي الله عنه اختيار في انضمامهم إليه , ولا شك في أنه برئ منهم ولا يريدهم فهم منافقون كما ورد عن النبي e في الحديث الصحيح السابق " يا عثمان إن الله مقمصك قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني " وهؤلاء القتلة المنافقون طلبوا من عثمان رضي الله عنه أن يخلع نفسه وإلاّ قتلوه فلم يوافقهم على خلع نفسه رضي الله عنه . 

  قال ابن تيمية " خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان لا قتل ولا أمر بقتله وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن " .  

 

5- وأن مدار الخلاف بين علي رضي الله عنه وبين من خالفه سواء عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم أو معاوية رضي الله عنه حول قتلة عثمان رضي الله عنه والقصاص منهم وليس حول الإمارة , فلم يكن واحد منهم ينازع علياًَ فيها . 

فعلي رضي الله عنه ومن معه دعوا إلى البيعة له وتأليف الكلمة على الإمام . 

وعائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم خرجوا إلى العراق للصلح بين المسلمين وللتدارس في كيفية القضاء على القتلة وإخماد الفتنة . 

وكان معاوية رضي الله عنه وجيش الشام يطالبون بقتل قتلة عثمان رضي الله عنه أو تسليمهم للقصاص منهم . 

وأهل السنة يدينون لله على أن علياً ومعاوية ومن معهما من أصحاب رسول الله e كانوا جميعاً من أهل الحق , وكانوا مخلصين في ذلك .والذي اختلفوا فيه إنما اختلفوا عن اجتهاد , ويرون أن علياّ المبشر بالجنة أعلى مقاماً عند الله من معاوية خال المؤمنين وصاحب رسول رب العالمين . والحق في جانب علي راجح , فقد قال النبي e مخبراً عن الخوارج " تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق " رواه مسلم . 

 

وبعد أن عرضنا هذا كله , وعرفنا أن مثيري الفتنة منافقون بالنص من الصادق e . لا بد من الإجابة على بعض الأسئلة باختصار لنتميز بعض الخطوط التي لا ينبغي الجهل بها في هذا المقام . 

  •  لماذا ثار الثوار على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ؟ 

     إذا عرفنا أنهم منافقون يكيدون للإسلام عرفنا أن هدفهم الأساسي هو القضاء على الإسلام في مهده . أما مآخذهم الظاهرية على عثمان رضي الله عنة فهي عدة تهم لا تثبت , قال عنها القاضي ابن العربي بعد سردها "هذا كله باطل سندا ومتنا ", وفندها واحدة واحدة[100] وما هي إلا إشاعات نظمها السبئيون .  

     

    *ويترتب على السؤال الماضي سؤال آخر وهو : ما السر في أنهم استطاعوا التأثير في بعض الناس حتى انضموا إليهم ؟ 

    حينما نظم السبئيون حركة الإشاعات , صاروا يرسلون الكتب من كل مصر إلا الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة , وادعى البغاة فيها أنهم تلقوا رسائل من علي وطلعة والزبير رضي الله عنهم يدعونهم  بها للثورة على عثمان رضي الله عنه بدعوى أنه غير السنة , وقد أنكر علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم أنهم كتبوا بذلك-وحاشاهم أن يكتبوا مثل ذلك _ 

     

    *لماذا استسلم عثمان رضي الله عنه للثوار ,  ولم  يسمح بالدفاع عنه ؟ 

    لقد اختار رضي الله عنه أهون الشرين , فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين ,فقد افتدى الأمة بدمه مختارا , فما أحسن الكثيرون جزاءه رضي الله عنه. 

    وهو رضي الله عنه يذكر بشرى الرسول e له بالجنة على بلوى تصيبه , وخبره له بالشهادة , ونهيه له عن خلع القميص الذي ألبسه الله تعالى  إياه , ورؤياه التي أخبر بها رضي الله عنه بقوله "إني رأيت رسول الله e البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر , وأنهم قالوا لي اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة " 

    ويروي أن ابن عمر رضي الله عنهما قال لعثمان رضي الله عنه "...فلا تخلع قميص الله عنك فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه ". 

     

    *لماذا أسلم الصحابة عثمان رضي الله عنه لأعدائه ؟ 

    في الحقيقة أن الصحابة رضي الله عنهم لم يخذلوه ولم يسلموه مختارين , بل هو الذي أمرهم بذلك وعزم عليهم ,فقد قال رضي الله عنه للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار – وكانوا قريبا من سبعمائة فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه – "أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله ...." 

    وقد ثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير وابن عمر ومروان رضي الله عنهم كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار , فقال عثمان رضي الله عنه :أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم" . 

    ولقد ثبت أن عبد الله ابن الزبير رضي الله عنه قال لعثمان رضي الله عنه "إنا معك في الدار عصابة مستبصرة , ينصر الله بأقل منهم فأذن لنا ,فقال :أذكر الله رجلا أراق لي دمه ". 

     

    *متى بويع علي رضي الله عنه بالخلافة ؟ 

    لما أستشهد عثمان رضي الله عنه بايع الصحابة في المدينة رضي الله عنهم عليا رضي الله عنه بالخلافة ومن المبايعين طلحة والزبير رضي الله عنهما , ولم يعارض البيعة أحد من الصحابة , وأما النصرة فتخلف عنها بعضهم لأنها كانت مسألة اجتهادية .وأما معاوية رضي الله عنه فكان وقتها بالشام ولم يبايع لما سنذكره لاحقا . 

     

    *إلى أين ذهب الجناة بعد جريمتهم ؟ وما الذي حدث في جراء ذلك ؟  

    بقي البغاة في المدينة مدة , ولما أنتقل علي رضي الله عنه بعد مبايعة الصحابة له إلى العراق ليكون على مقربة من الشام ,انتقل معه قتلة عثمان رضي الله عنه ولا سيما أهل الكوفة والبصرة منهم حيث أصبحوا في معقل قوتهم , وعنجهية قبائلهم . ولاشك أن علي رضي الله عنه أعلن البراءة منهم ,وكان يقول "اللهم العن قتلة عثمان في البر البحر والسهل والجبل ", ولكه كان يرى –بينه وبين نفسه- أن قتلهم يفتح عليه بابا لا يستطيع سده بعد ذلك , وتقصيره رضي الله عنه في إقامة حد الله كان عن ضرورة قائمة ومعلومة , وقد انتبه لهذه الحقيقة الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه وتحدث بها مع أم المؤمنين عائشة ومع طلحة والزبير رضي الله عنهم –الذين خرجوا إلى العراق للصلح بين المسلمين وللمساعدة على الاتفاق على القضاء على القتلة –فعذروا عليا ووافقوا على التفاهم معه على ما يوصلهم إلى الخروج من هذه الفتنة . وليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليا بقتل عثمان . 

    وصحيح الأخبار وردت في أن سبب خروج أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم هو جمع طوائف المسلمين وردهم إلى نظام واحد حتى لا يقتتلوا  ,وأن واحدا لم ينقل أنهم رضي الله عنهم نازعوا عليا في الخلافة , ولا دعوا إلى أحد منهم لولوه الخلافة , فهم قد بايعوا عليا رضي الله عنه خليفة على المسلمين , وغاية ما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان رضي الله عنه وترك الاقتصاص منهم , حتى تبين لهم عذره كما مر معنا , وأصبحوا جميعاً على رأي واحد , وعولوا جميعاً على الصلح وباتوا جميعاً ليلة , وبات الذين ثاروا على عثمان بشر ليلة, فقد أدركوا على أنهم هم ضحية الصلح وأشرفوا على الهلكة , وجعلوا يتشاورون بينهم ليلتهم حتى أجمعوا على إنشاب الحرب في السر , فغدوا على الغلس دون أن يشعر بهم أحد , فأنشبوا الحرب بين الفريقين , حتى ظن كل فريق أن الفريق الآخر غدر به _ وكل منهم رضي الله عنهم أتقى من أن يصدر منه خيانة أو غدر _ وهكذا قدر الله عليهم أن تنجح تدبيرات أعدائهم وتنشب بينهم الحرب في موقعة الجمل . 

    ولما انتهت موقعة الجمل أرسل علي رضي الله عنه جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه إلى معاوية في دمشق يدعوه إلى طاعته , فجمع معاوية رضي الله عنه رؤوس الصحابة وقادة الجيوش وأعيان أهل الشام واستشارهم فيما يطلب علي رضي الله عنه , فقالوا : لا نبايعه حتى يقتل قتلة عثمان أو يسلمهم إلينا , فرجع جرير إلى علي بذلك , فخرج علي صوب الشام , وبلغ معاوية خروج علي فخرج لملاقاته حتى التقيا في صفين , ولو أنّ عليّاً لم يتحرك من الكوفة لما حرك معاوية ساكناً . 

    وقد ذكر الذهبي : (أنّأ أبا مسلم الخولاني وأناسا معه جاءوا إلى معاوية وقالوا : أنت تنازع عليا أم أنت مثله ؟فقال : لا والله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ,ولكن ألستم  تعلمون أن عثمان قتل مظلوما , وأنا ابن عمته والطالب بدمه فأتوه فقولوا له فليدفع إلي قتلة عثمان وأسلم له ,فأتوا عليا فكلموه فلم يدفعهم إليه , وقد سبق معنا عذر علي هذا , والمطالبون بإقامة حد الله في قتلة عثمان سواء كانوا من أصحاب الجمل أو من أهل الشام معذورون لأنهم يطالبون بحق . 

    وقد وصف علي رضي الله عنه أهل الشام في خطبة له بالطاعة والأمانة والإصلاح بعد أن وصف شيعته بنقيضها , وقد سمع علي رضي الله عنه رجلاً من صفين يقول " اللهم ألعن أهل الشام " فقال له علي : " لا تسب أهل الشام فإن بها الأبدال فإن بها الأبدال " . 

    ولم يبايع معاوية رضي الله عنه بالخلافة إلاّ بعد تنازل الحسن رضي الله عنه له بالخلافة لتجتمع الأمة وتصلح حالها كما أخبر e من شأن الحسن رضي الله عنه " ابني سيد .. " وسمي ذلك العالم بعام الجماعة . 

    وقد بايع الصحابة وغيرهم معاوية ودخلوا كلهم في إمامته بعد أن كان كثير منهم معتزلاً الفتنة من بعد عثمان رضي الله عنهم جميعاً . قال محمد بن سيرين : " هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله e عشرة آلاف فما حضرها منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين " . وكانت سيرة معاوية رضي الله عنه مع رعيته من خيار سير الولاة . 

    وبعد أن استقر الأمر لمعاوية رضي الله عنه لم يبق به حاجة إلى تتبع قتلة عثمان رضي الله عنه لأن سطوة الله وعدله نزلا بأكثرهم فلم يبق منهم في ولاية معاوية إلى المتشرد الخائف الباحث عن جحر يختبئ به , وبهذا زالت سطوتهم وكفى الله المؤمنين شرهم . 
  • ومما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة – مع اجتهادهم فيها وتأولهم – حزنهم الشديد وندمهم لما جرى , بل لم يخطر ببالهم أنّ الأمر سيصل إلى ما وصل إليه , وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل أخيه , بل إنّ البعض أيضاً لم يتصور أنّ الأمر سيصل إلى القتال , وإليك بعض من هذه النصوص: 

    هذه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تقول : " فيما يروي الزهري عنها : إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني , ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال , ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبداً " . 

    وهذا أمر المؤمنين علي رضي الله عنه يقول عنه الشعبي " لمّا قتل طلحة ورآه علي مقتولاً , جعل يمسح التراب عن وجهه , ويقول : عزيز علي أبا محمد أن أراك مجندلا تحت نجوم السماء . ثم قال : إلى الله أشكو عجزي وبجري وبكى عليه هو وأصحابه , وقال : يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة " . 

    ويقول رضي الله عنه : " يا حسن , يا حسن , ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا , ودّ أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة " . 

     وكان يقول ليالي صفين : " لله درّ المقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك – وهما ممن اعتزل الفتنة – إن كان برّاً إنّ أجره لعظيم , وإن كان إثماً إنّ خطره ليسير " . 

    فهذا ما قاله أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه رغم قول أهل السنة إن علياً ومن معه أقرب إلى الحق . 

    وهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه – وهو ممن شارك في القتال بجانب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها – يقول : " إنّ هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها – فقال مولاه : أتسميها فتنة وتقاتل فيها ؟ قال : ويحك إنّا نبصًّر ولا نبصر , ما كان أمر قط إلاّ علمت موضع قدمي فيه , غير هذا الأمر , فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر " . 

    وهذا معاوية رضي الله عنه , لما جاءه نعي علي بن أبي طالب رضي الله عنه جلس وهو يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون . وجعل يبكي , فقالت امرأته : أنت بالأمس تقاتله , واليوم تبكيه ؟ فقال: ويحك , إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره , وفي رواية : ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم " .[101] 

    ونختم هذا البحث بأنواع سب الصحابة من الدين وسبقهم في الفضل فإن سبهم يعدّ أمراً خطيراً , وهذا موجز حكمه : 

    1_ من سب الصحابة بالكفر والردة جميعهم أو معظمهم فلا شك في كفره . 

    2_ من سب بعضهم سباً يطعن في دينه كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق وكان ممن توارثت النصوص بفضله كالخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة فذلك كفر على الصحيح , لأن في ذلك تكذيباً لأمر متواتر . 

    3_ من سب أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه فقد أجمع أهل العلم على كفره , " يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين " .  

    4_ من سب بقية أمهات المؤمنين فالراجح من أقوال العلماء كفره .  

    5_ من سب صحابياً لم يتواتر النقل بفضله خاصة سباً يطعن في الدين , فالجمهور يقولون بعدم كفره وذلك لعدم إنكاره شيئاً من المعلوم من الدين بالضرورة إلا أن بسبه من حيث  الصحبة . 

    6_ من سب بعضهم سباً لا يطعن في الدين والعدالة فهو مستحق للتأديب والتعزير . 

    والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وسلّم  تسليماً كثيراً . 

     

    ومن أقوال العلماء في حكم من سب الصحابة :  

    ويقول القاضي عياض _ رحمه الله _ : " وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير كل الصحابة , كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ... لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن , إذ ناقلوه كفرة على زعيمهم , وإلى هذا _ والله أعلم _ أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة " 

    ويقول أبن تيمية _ رحمه الله _ :" وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله e إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً , أو أنهم فسقوا عامتهم , فهذا لا ريب في  كفره .  

    ويقول أبن كثير _ رحمه الله _ :" ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك ( أي كتمان الوصية لعلي بالخلافة ) فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة رسول الله e ومضادته في حكمه ونصه , ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام , وكفر بإجماع الأئمة الأعلام , وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام ... " . 

    وقال مالك _ رحمه الله _ :" من شتم أحداً من أصحاب محمد e أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص , فإن قال كانوا على ضلال وكفر قتل " 

    وقال الخطيب الشافعي _ رحمه الله _ :"يكفر من نسب الأمة إلى الضلال أو الصحابة إلى الكفر "[102] 

    قال أبو عبيد القاسم بن سلام _ رحمه الله _ :" لاحظ الرافضي في الفيء والغنيمة لقول الله حين ذكر آية الفيء ( والذين جاءوا من بعدهم ... ) [103] 

    ولما ذكر أبو المعالي الألوسي هذه الآية ( والذين جاءوا من بعدهم ... ) قال :" قال العلماء في هذه الآية ناصة على أن الرافضة كفرة لأنهم يكرهونهم , بل يكفرونهم والعياذ بالله تعالى "[104]  

    وهذا الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله يقول في الذين يطعنون في الصحابة رضي الله عنهم:" إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله e فاعلم أنه زنديق , وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق , وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله e وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة , والجرح بهم أولى , وهم زنادقة "[105].
    الطريق السليم للحكم على الآخرين[106] 

     
  1. تأملات في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه : 

    عندما جهر رسول الله e بالدعوة في مكة ناصبته قريش العداوة ونفرت الناس منه حتى أنها صارت ( تحت ستار النصيحة ) تحذر منه كل من قدم إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك وتشيع عنه الباطل كي لا يسمع الناس منه مجرد السماع , لعلمهم أن للحق نوراً يعرفه السامع . وكان الطفيل بن عمرو الدوسي ممن تلقته قريش على مداخل مكة وحذّروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه . يقول الطفيل ( فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه حتى حشوت في أذني كرسفاً – أي قطناً – خوفاً من أن يبلغني شئ من قوله , فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله e يصلي ... إلى أن قال : - أي الطفيل – فقلت في نفسي ثكلتك أمك يا طفيل والله إني لرجل لبيب ما يخفى عليّ الحسن من القبيح فما منعني أن أسمع منه ما يقول فإن كان حقاً قبلته وإن كان قبيحاً تركته ). ثم أتى إلى رسول الله e وأخبره بما قالت له قريش وطلب منه أن يعرض عليه أمره فعرضه عليه فأسلم رضي الله عنه . 

    هكذا يفعل العاقل اللبيب لا يهمه ما يحشى في أذنه من كلام تحذيري ظاهره النصح وباطنه الصد عن سماع الحق , بل يهمه أن يكون له تفكيره المستقل المقيد بمقياس الشرع فما وافق الحق أخذه وما خالفه تركه . 

    وإذا تأملنا قي هذه القصة خرجنا بعبر ودروس شتّى , منها : 

    أن أعداء الدعوة الإسلامية – دعوة الحق – يعرفون في قرار نفوسهم إن للحق نوراً إذا باشر القلوب قبلته فهو يلائمها ويوافق فطرتها , ولذلك فإذا هؤلاء الأعداء لا يألون جهداً في صد الناس عن سماع الحق والحيلولة بينهم وبين وصول الحق صافياً إلى مسامع الناس , وهذه الصورة تتكرر في الماضي وفي الحاضر , فكم من داعية حق حيل بينه وبين الناس , وكم من الشعوب حرمت من دعوة الإسلام بسبب الإعلام المضلل الذي تقوده الماسونية اليهودية العالمية . 

    أن أعداء الحق ما فتئوا يصفون المخلصين من المؤمنين بصفات الجور والظلم , وفي الماضي وصف الرسل بالسحر والجنون والكهانة وغيرها , ونرى في الحاضر أن أتباع الرسل يوصفون بصفات لا تطابق الواقع من مثل : المتطرفون , و العملاء , والخونة , والمخربون , والإرهابيون , والرجعيون , وعصابات لتمرد , والأصوليون , وأعداء السلطة , وأعداء الوطن , ....وما الهجمة الشرسة هذه الأيام على ما يسميهم الإعلام العالمي والإعلام الظالم في الدولة الإسلامية أصوليين أو متطرفين إلا عداء سافر للمسلم لمجرد كونه مسلماً , ولا غرابة في ذلك فهذا طريق الحق لابد من أن يفرش بالشوك وعليه سار الأنبياء والصالحون من بعدهم غير مبالين بكل هذه العقبات , والعاقبة في النهاية للمتقين فقد وعد الله تعالى بذلك . 

    ضرورة نزع القطن من الأذنين والسماع من الآخرين والقراءة لهم ثم الحكم بعد ذلك عليهم وعلى مناهجهم فهذا ادعى لإصابة الحق . أما إذا رفض الإنسان السماع من الآخرين , وحكم عليهم بناء على ما يشاع عنهم , فإن حكمه سيكون بلا علم وسيفوت على نفسه خيراً كثيراً فلو لم يسمع الطفيل من الرسول e لما حصل له الخير والإيمان ولذهب ضحية جور قريش كما ذهب غيره من أمثال الأعشى الشاعر المشهور . 

    وهذا مثال على أهمية نزع القطن من الأذنين , وهو يدور حول كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أشيع في كثير من بلاد المسلمين بأن دعوته خارجة عن الإسلام وصدقها كثير من أبناء الأمة الإسلامية دون علم أو إدراك . والقصة ملخصها أو مدعياً للعلم في بلد من بلاد المسلمين في زمن مضى همه التحذير في دروسه من عقيدة " الوهابية " _ كما  يسميها _ ولحكمة أرادها الله وقع كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب بيد أحد تلاميذ ذلك الداعية , فقرأه فاستحسن ما فيه ولم يجد ما كان يسمعه من شيخه مدعياً أنه وجده في الطريق ورأى   فيه خيراً , وطلب من شيخه قراءته والحكم عليه ليحتفظ به أو ليحرقه , فقرأه الشيخ واستحسن ما فيه وقال هذه هي العقيدة الصحيحة وأخبره التلميذ بأن هذا ما  يحذرهم  منه . 

    فانظر أخي المسلم كيف أن هذا الشيخ كان يحكم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دون أن يقرأ لها أو يسمع من أصحابها ومن ثم كان حكمه الماضي فيه ظلم وجور سببه وضع القطن في الأذنين . 

     

    2_الكلام في الآخرين يجب أن يكون بعلم : 

    ويترتب على ما مضى أنه ينبغي للمسلم قبل أن يتحدث في الآخرين أفراد أو جماعات أو مؤلفات أن يكون على علم بما يقول (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) . وهذه القاعدة توجب على المؤمن الحذر من نقل الشائعات ووجوب التثبت في نقل الأخبار , قال تعالى (يا أيها اللذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ).  

    ومن الناس من يسمع الخبر ثم ينقله على غير وجهه , ليس من باب الكذب والخيانة ولكنه لم يستطيع أن يفهم الكلام على وجهه الصحيح فالله تعالى لم يرزقه حسن الفهم والتيقظ ولهذا تراه يقول الناس ما لم يقولوا ويحمل كلامهم ما لم يحتمل , ونظير هذا ما يفعله بعض السامعين والقراء من أخذ بعض لوازم ما سمعوا أو قرؤوا ونقله للناس على أنه من أصل الكلام وصلبه . والمنجي من هذا كله التثبت في النقل , وفي الصحيح "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما يسمع " . 

     

    3-تقديم حسن الظن بالمسلم : 

    والأصل في المؤمن أن يحسن الظن بأخيه , فقد حرم الله تعالى سوء الظن بالمؤمنين (يا أيها اللذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ), وقال تعالى ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ) , وقال e :" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " متفق عليه . 

    والإسلام إذ يحذرنا من الظنون بالآخرين ليحثنا على بقاء ضمائرنا نقية صافية لا يتوزعها الشكوك فيكون أسلم للصدر وأحرى للوصل والتحاب والتآخي بين المؤمنين . وقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً , وأنت تجد لها في الخير محملاً " , وقال e " إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم " رواه أبو داود والحاكم . 

     

    4_ وجوب العدل وإنصاف الآخرين :  

    فإن أراد المؤمن الحديث عن الآخرين وجب عليه أن ينصفهم وأن يكون عادلاً في حكمه ذاكرا لما عندهم من حسنات ومن سيئات وكذلك الشأن في المفاضلة بين الناس والعبرة بكثرة الفضائل وليس بين البشر من ليس يخطئ , والله تعالى يقول ( ولا تبخسوا الناس أشيائهم ) ويقول تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) وقال تعالى ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) . 

    وقد كان علماء الجرح والتعديل منصفين في أحكامهم على الرواة , فهذا الإمام مالك رحمة الله يقول " إن من شيوخي من أتبرك بدعائه ولكن لا أقبل روايته " فهو رحمه الله بين أن سبب رفض الرواة وجرح بعض شيوخه لا يعود على كذبهم أو فساد دينهم بل إلى سبب آخر كقلة الضبط , كمثل قولهم " فلان صدوق إلا أنه غير ضابط " .  

    والمقصود بالعدل في وصف الآخرين : هو العدل في ذكر المساوئ والمحاسن والموازنة بينهما . والمنصفون هم الذين يذكرون المرء بما فيه من خير أو شر ولا يبخسونه حقه , ولو كان الموصوف مخالفاً لهم في الدين والاعتقاد أو في المذهب والانتماء . 

    " ومن العدل أن تمر معالجة الخطأ بمراحل المعالجة العادلة الثلاث : 
  • مرحلة التثبت من وقوع الخطأ .  
  • مرحلة التثبت من الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ . 
  • مرحلة جمع الحسنات والأعمال الخيرة لمرتكب الخطأ وحشدها إلى جانب خطئه , فقد ينغمر هذا الخطأ في بحر حسناته , وكل هذا سلكه الرسول e مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه " [107]  

     

    5- رفض التعميم في إطلاق الأحكام : 

    فلأصل ألا يأخذ المرء بجريرة وذنب غيره , ويتبع هذا ألا تحمل الجماعات خطأ بعض أفرادها والمنتسبين إليها , كما أن الشعوب لا تحمل وتؤاخذ بتصرفات حكامها أو بعض أفرادها , قال الله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وقال الرسول e " إن أعظم الناس فرية لرجل هاجى رجلاً فهجا القبيلة بأسرها " . 

    وكم رأينا من الناس , وقد يكونون ممن ينتسب إلى الدعوة , من يعمم في أحكامه فيظلم كثيراً من الجماعات أو الشعوب لموقف شخصي حدث له مع بعض الناس في المطار أو في الحج أو في غيرهما فأطلق لسانه تجريحاً لا بما حصل معه الموقف فقط بل بما ينتمي إليه ذلك الشخص أيضاً من جماعة أو شخص أو دولة , وفي هذا ظلم كثير وفساد عظيم يستغله أعداء الإسلام فيوسعوا من دائرته . 

    والعاصم من ذلك كله هو العدل ورفض التعميم في الأحكام علي الآخرين . 

     

    6- وجوب الخوف من الله عند الكلام على الآخرين : 

    فقبل أن يتحدث المرء في الآخرين لابد له من استشعار الخوف من الله من الغيبة التي هي " ذكر أخاك بما يكره " , وينبغي للمرء أن يسأل نفسه قبل الكلام في الآخرين : ماذا أريد من هذا الحديث ؟ هل أنا فعلاً أريد وجه الله تعالى في ذلك ؟ هل يحقق حديثي هذا مصلحة ظاهرة ؟ ما جوابي عند الله إذا سألني لم تحدثت في فلان مثلاً ؟ هل يدخل حديثي في الغيبة ؟ وبهذا يضبط الإنسان نفسه من الزلل , واستشعاره الخوف من الله تعالى يحميه من الوقوع في المزالق , قال تعالى ( ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل أخيه ميتاً فكرهتموه ).  

    وقد ذكر العلماء حالات تستثني من الغيبة وضابطها العام تحقق المصلحة الراجحة للمسلمين , وهذه الحالات هي : المتظلم , المستفتي , وعند الاستشارة , والاستعانة على تغيير المنكر , وتحذير المسلمين من الشر وذلك لمن أراد الإصلاح والتقويم .  

    ومما يضعف انتشار الغيبة على المغتاب ففيها الأجر الكبير , قال e " من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار " . 

     

    7- الولاء المؤمنين والبراء من الكفار : 

    فالمؤمن يجب عليه حب وموالاة المؤمنين وإن جاروا عليه كره الكفار والمنافقين  وإن أحسنوا إليه . قال تعالى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) وقال تعالى ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) 

     

    8- الفرح بإصابة غيرهم للحق : 

    "وهذا هو قمة العدل و التقوى والروع , حيث نرى الكثير من دعاة المسلمين اليوم فضلاً من عامتهم إذا رأوا غيرهم قد أخطؤوا فإنهم يفرحون بذلك , حتى يحسبونهم عليهم , بل إنك ترى الكثير منهم يتتبع الكتابات والمقالات التي قالها غيرهم , وهمهم الوحيد هو تتبع العثرات والفرح باصطيادها , في الوقت الذي لو وجدوا خلاف ذلك ( من إصابة غيرهم للحق ) فإنهم يحزنون لهذه الإصابة , وهذا _ والعياذ بالله _ هو الظلم والحقد والحسد الذي لا يلتقي مع العدل و الخير للناس "[108] 

الافتراق والاختلاف والفرق بينهما[109] 

الافتراق : في اللغة : من المفارقة وهي المباينة والمفاضلة يعني أيضاً الخروج عن الأصل والجادة والجماعة . 

وفي الاصطلاح : الخروج عن السنة والجماعة في أي أصل من أصول الدين القطعية أو أكثر , سواء كانت الأصول الاعتقادية أو الأصول العملية المتعلقة بالقطعيات أو بمصالح الأمة العظمى أو بهما معاً . ومخالفة إجماع المسلمين أو جماعتهم افتراق , وكل كفر يعد افتراقاً وليس كل افتراق كفراً . 

الفرق بين الاختلاف والافتراق :  

كثيراً من الناس ومن طلبة العلم أيضاً من لا يفرق بين مسائل الاختلاف أحكام الافتراق وهو خطأ . ومن الفرق بينهما :  

  1. الافتراق هو أشد أنواع الاختلاف بل هو من ثمار الاختلاف , وقد يصل الخلاف إلى حد الافتراق وقد لا يصل . 
  2. والافتراق اختلاف وزيادة ولكن ليس كل اختلاف افتراقاً ولكن كل افتراق اختلاف . 
  3. الافتراق لا يكون إلا على أصول كبرى ( أي أصول الدين ) التي لا يسع الخلاف فيها التي ثبتت بنص قاطع أو منهجاً عملياً لأهل السنة والجماعة لا يختلفون عليه . أما ما دون ذلك فهو من باب الاختلاف مما يقبل فيه تعدد الرأي والاجتهاد وتكون له مسوغات عند قائله أو يحتمل فيه الجهل والإكراه والتأول وذلك في أمور الاجتهاديات والفرعيات .  
  4. الاختلاف قد يكون عن اجتهاد وحسن نية ويؤجر عليه المخطئ مادام متحرياً للحق والمصيب أكثر أجراً , بينما الافتراق لا يكون عن اجتهاد ولا عن حسن نية وصاحبه لا يؤجر بل هو مذموم ولا يكون إلا عن ابتداع أو اتباع هوى . 
  5. الافتراق يتعلق به الوعيد وكله شذوذ وهلكة أما الاختلاف فليس كذلك مهما بلغ الخلاف بين المؤمنين في أمور يسع فيها الاجتهاد . 

    وهذه بعض الأخطاء في هذا المقام :    

    أولاً : الافتراق واقع بالأمة ولا مجال لإنكار فهو من الابتلاء . ووقوع الافتراق ينبغي أن يكون دافعاً للمسلم إلى تحري الحق وهو متحدد بنهج النبي e وصحبه رضي الله عنهم والسلف الصالح . 

    ثانياً : يجب أن لا يكون الإخبار بالافتراق ذريعة للرضى بالبدع والأهواء والتسليم لها بل ينبغي أن تنتبه إلى أن الرسول e حينما أخبر عن أمر الافتراق بين بنفس الحديث طريق الحق وعليه ينبغي للمسلم ألا يرضى إلا به . 

    ثالثاً : هناك من يجعل من الاختلاف ذريعة لوصف المخالفين بالخروج أو المفارقة أو المروق, وعليه ينبغي عدم التعجل , ولابد من إقامة الحجة على الناس قبل أن يوصفوا بالافتراق ولكن يوصفون بالابتداع . 

    رابعاً : الجهل بما يسع فيه الخلاف وما لا يسع فيه وعدم التفريق بينهما عند كثير من المنتسبين للإسلام. وكثير منهم في عملية الحكم على الأشخاص أو الأفعال لا يفرق بين الحكم على الأصل والحكم على المعين , فقد نحكم على شيء بأنه كفر وهذا لا يعني أن كل من فعل هذا الشيء يكفر إلا الأشياء التي علمت من الدين بالضرورة فيحكم على المعين بها . 

    وإذا تبين لنا الفرق بين الاختلاف والافتراق , تبين لنا خطورة إعطاء  مسائل أحدهما أحكام الآخر , وتبين لنا خطأ الخلط بينهما . 

    * فالاختلاف أمر اجتهادي وطبعي لا يجوز تضخيمه , ولا الموالاة عليه ولا المعاداة عليه , ففي ذلك تفريق الأمة بلا مبرر , ولا يفعل ذلك عادة إلا المتعصبة , سواء كانوا من المتعصبين للمذاهب الفقهية, أو من المتعصبين للجماعات أو للأحزاب أو لغيرها .  

    * والافتراق مسبب عن الهوى والضلال , وهو أمر خطير , لا يجوز التساهل فيه , والتقليل من شأنه, ففي هذا التقليل تضليل للأمة والتباس الحق بالباطل , وضياع القدوة عند المسلمين , ولا يفعل ذلك عادة إلا دعاة التقارب ممن لا يعون حجم المشكلة ويظنون أن الفرق يسير يمكن  تجاهله .  

     

     

     

     

     

نشأة الفرق في التاريخ الإسلامي 

جاء الإسلام يدعو أول ما يدعو بعد توحيد الألوهية , وضرورة الالتزام بالشريعة , إلى الوحدة بين أتباعه وإلى التآلف , وينهي عن الفرقة والاختلاف بين المسلمين . وقد أكدت آيات القرآن الكريم الدعوة إلى التمسك بحبل الله المبين وعدم التنازع والاختلاف , كما ورد في قوله تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) , وكقوله تعالى ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) , ومثل قوله تعالى ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) , وقوله تعالى ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ) , وورد العديد من الأحاديث تنهى عن الفرقة والاختلاف . فقد رأى الدارمي بإسناد صحيح , عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله e يوماً خطاً ثم قال : هذا سبيل الله , ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه , ثم تلا ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) , وقال عليه الصلاة والسلام : " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " . 

وقال e " افترت اليهود على إحدى وسبعين فرقة , فواحدة في الجنة , وسبعون في النار, وافترت النصارى على اثنين وسبعين فرقة , فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة , والذي نفس محمد بيده , لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعون فرقة , فواحدة في الجنة , واثنتان وسبعون في النار " وفي رواية " قالوا من هي يا رسول الله , قال : ما أنا عليه وأصحابي " يقول ابن الجوزي " إنا نعرف الافتراق وأصول الفرق , وأن كل طائفة من الفرق قد انقسمت إلى فرق وإن لم نحط بأسماء هذه الفرق ومذاهبها . وقد ظهر لنا من أصول الفرق : الحرورية , والقدرية , والجهمية , والمرجئية والرافضة والجبرية . وقد قال بعض أهل العلم أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست , وقد انقسمت كل فرقة منها على اثنتي عشر فرقة فصارت اثنتين وسبعين فرقة " . 

كما أن من ينظر في كتب الفرق هذه ويرى كثرتها , قد يخيل إليه أن هذه الأمة قد تمزقت أشلاءً وأحزاباً , وأن الاختلاف بين أفرادها وجماعاتها قد بلغ الغاية , وهذا بالطبع غير صحيح , بل لا يتفق والواقع الذي عاشته هذه الأمة , الأمر الذي يشير إلى أن تلك الاختلافات , مهما عظمت , لم تكن أكثر من آراء لجماعات صغيرة لم يتعد أثرها في أكثر الأحيان دوائر ضيقة  


ومحدودة . أما المجتمع الإسلامي العريض فقد ضل متماسكا , وضلت الجماعة المسلمة ملتفة حول كتاب ربها وسنة نبيها , وحملت تلك الجماعات ما تضمنه الكتاب والسنة من مبادئ وقيم , وانتشرت بها في أرجاء الأرض . واستطاعت في أقل من قرن من الزمان , أن تخرج كثيرا من الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله , ومن ضيق الدنيا إلى سعت الدنيا والآخرة , وأن تقيم حضارة كان لها, ولا يزال , الأثر الكبير في مسار البشرية وتاريخ الإنسانية [110]. 

ولما أنتشر الإسلام وسيطر على كثير من الممالك وسلب المجوس واليهود والرومان وغيرهم سلطانهم فحاول هؤلاء القضاء عليه بأنواع من المكائد , ولما يئسوا من قدرتهم من مجابهة الإسلام بالقوة وجهاً لوجه انصرف جهدهم وكيدهم إلى الدسائس والمؤامرات والاغتيالات لرجاله العظام. 

ودخل في الإسلام ظاهراً من هؤلاء من قصده إفساده , وتمزيق وحدة أهله ولابد أن يكون ذلك عن دراسة , وأعمال فكر وتخطيط . وربما يكون هناك جمعيات متعاونة , من المجوس واليهود , والنصارى وغيرهم , وقد تكون لكل طائفة مؤسسات تعمل لإفساد عقائد المسلمين , ليقينهم أنه لا يمكن هزيمة المسلمين إلا بإفساد عقيدتهم . فبدأت آثار تلك المؤامرات تظهر , شيئاً فشيئاً , فقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بأيد مجوسية , وربما بمؤامرة مجوسية يهودية . 

ثم قتل الخليفة بعده , بأيد مشبوهة من غوغاء , يدفعهم بعض دعاة اليهود والمجوس . 

ثم ظهر القول بنفي القدر , وأول من عرف بذلك رجل مجوسي يقال له : سيسويه , من الأساورة , وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهنى . 

ثم أوقدت نار الفتنة بين المسلمين , وقتال بعضهم بعضا . 

ثم خرجت الخوارج بجهلهم , وعتوهم , وتكفير المسلمين وقتلهم إياهم . 

ثم نجم التشيع الشنيع من قبل يهود ومجوس يوقدون ناره وأظهروا القول بأن للرسول e وصياً هو علي بن أبي طالب , ولكن الصحابة تمالئوا على ظلمه , وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب . 

قال شيخ الإسلام : " أصل مقالة تعطيل  الصفات , مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين, وضلال الصابئين , فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام _ أعني أن الله ليس على العرش حقيقة وأن الاستواء بمعنى الاستيلاء ونحو ذلك _ هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه . وقد قيل أن الجعد أخذ مقالته عن إبان بن سمعان وأخذها إبان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم اليهودي  الساحر الذي  سحر النبي e , وهذه سلسلة يهودية لها سوابق في محاربة الإسلام . 

فتبين أن الإلحاد جاء من قبل اليهود الذين أرادوا إفساد دين الإسلام , كما أن الرفض أولمن عرف من دعاته يهودي ماكر حاقد وهو أبن سبأ [111].  

 

أهم أسباب نشأة الفرق في التاريخ الإسلامي : 

1-  الأخذ  بطرف من الدين دون طرف : 

  • فالخوارج كفروا علياً وطلحة والزبير وكثير من الصحابة رضي الله عنهم معتمدين على آية ( إن الحكم إلا لله ) حيث فهموا أن تحكيم غير الله لا يجوز وإن حكم بحكم الله ناسين مثل ( فابعثوا حكماً من أهله وحكماًَ  من أهلها ) ومثل ( يحكم  به ذوا عدل منكم ) ومثل ( فلا وربك لا يؤمنون  حتى  يحكموك فيما شجر بينهم ) , كما أنهم أخذوا بآيات الوعيد وكفروا على فعل المعاصي ونسوا آيات الرحمة مثلاً . 
  • والرافضة أخذوا بمناقب علي وابنيه ونسوا مناقب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين . 
  •  والجهمية ونفات الصفات وأخذوا بآية ( ليس كمثله شيء ) دون بقية الآيات التي تثبت صفاته تعالى ومنها تكملة الآية السابقة ( وهو السميع البصير ) .  

2- العنصر الأجنبي " دخول بعض اليهود والمجوس للإسلام للكيد له من الداخل ولإضعاف المسلمين وتفكيكهم . وقد كان هؤلاء اليهود والمجوس أول من ابتدع كثيراً من أصول الفرق الضالة . وأصول الفرق أربعة : الروافض ( الشيعة ) , والخوارج , والقدرية ( المعتزلة ) والمرجئة " . 

  • فأول من أنشأ فكرة التشيع هو يهودي يدعى عبد الله بن سبأ . 
  • وأول من تحدث بنفي القدر مجوسي يدعى سيسويه وقد أشتهر فيه معبد الجهني . 
  • وأول من أنكر الصفات الجهم بن صفوان وقد أخذها عن الجعد بن درهم عن إبان بن سمعان عن طالوت عن لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي e ( وهذه سلسلة يهودية ) . 

3- الغلو : فقد غلت الخوارج في فهم آيات الوعيد , وغلت الرافضة في أئمتهم حتى رفعوهم إلى درجة النبوة والعصمة بل وإلى مقام الألوهية , وغلت المعتزلة في دعوى التنزيه ... 

4-  الرد على بدعة وفرقة مثلها أو أشد منها كرد فعل عليها , مثل الجبرية مع القدرية والمعتزلة مع المشبهة . 

5-  الجهل بلسان العرب : 

ولهذا كانت أول بدعة ظهرت في المسلمين من قبل العجمة قال الأوزاعي رحمة الله : "أول من نطق في القدر : رجل من أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد" ولهذا قال الحسن البصري : أهلكتهم العجمة . وقال الشافعي ما أجهل الناس ولا اختلفوا إلاّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أريسططاليس " وقال السيوطي رحمه الله " وقد وجدت السلف قبل الشافعي أشاروا إلى ما أشار إليه من أنّ سبب الابتداع الجهل بلسان العرب " [112]. 

جاء عمرو بن عبيد المعتزلي إلى أبي عمرو بن العلاء , فقال : يا أبا عمرو ويخلف الله ما وعده؟ قال : لا , قال : أفرأيت من أوعده الله على عمل عقاباً , أيخلف الله وعده فيه ؟ فقال أبو عمرو بن العلاء : من العجمة أتيت يا أبا عثمان , إنّ الوعد غير الوعيد .[113] 

6-        تحكيم الهوى في القضايا الشرعية . 

7-        تعريب كتب الفلسفة . 

8-        الجهل واتباع الهوى . 

9-        التقليد واتباع المألوفات . 


الخلاف الفقهي[114] 

 

الخلاف العلمي ويعني به : ما يوجد من اختلاف بين العلماء وطلاب العلم في المسائل العلمية سواء كانت في الأصول أم الفقه في الحديث أم التفسير أم في غيرها . وهذا خلاف طويل عريض . فيوجد من الاختلاف بين المفسرين مثلاً في تفسير القرآن الكريم وبين المحدثين في إثبات الأحاديث أو تضعيفها وبين علماء الرجال في توثيق الرجال أو تضعيفهم وبين الفقهاء في المسائل الفقهية , كما يوجد بين غيرهم من أصحاب العلوم الأخرى كالخلاف بين النحاة والبلاغيين وأصحاب العلوم الأخرى كافة . اللهم إلاّ العلوم الرياضية التي هي عبارة عن أرقام لا يكاد يوجد فيها خلاف . 

ويوجد بين أصحاب العلوم الشرعية من الاختلاف كما يوجد بينهم من الاتفاق . وليس صحيحاً ما يصوره البعض من أن كل مسألة فيها خلاف . فقد شاع عند الناس مثلاً أن كل واحد يسأل ما حكم كذا ؟ يقول أي شخص في المجلس فيه اختلاف على سبيل السخرية أو الإشارة إلى أنه ما من مسألة إلاّ وفيها اختلاف . 

والواقع أننا لو تأملنا ونظرنا نظرة علمية متعمقة بعيدة عن السطحية والارتجال لوجدنا أن المسائل المتفق عليها بين الأمة مسائل كثيرة جداً ولكن لأنها متفق عليها لا يثور فيها خلاف وبالتالي ليس الناس بحاجة إلى التداول فيها لأنها مسائل مفروغ منها . 

وقد يحدث أن يفتي العالم بمسألة أو يقول بقول مخالف للدليل نظراً لأن الدليل ما وصل إليه فإذا بلغة الدليل رجع إليه وإذا لم يبلغه ظل على ما هو عليه وعلى ما كان يقول به ويوجد عند الأئمة الأربعة فضلاً عن غيرهم من ذلك الشيء الكثير , وهذا ليس بعيب فإنه لا يمكن أن يجتمع العلم كله عند إمام واحد من الأئمة فقد أعظم الفرية وبالغ في الإدعاء , فإن هذه السنة لم تجتمع عند الصحابة ولا عند التابعين ولا عند كبار الأئمة والمنصفين .وقد صرح الأئمة والعلماء بوجود ترك آرائهم وآراء البشر عند ورود النص , كقولهم " إذا ورد الأثر بطل النظر " وكقولهم " لا اجتهاد مع النص " .  

إذن الخلاف طبيعي لذا ينبغي عدم التبرم والضيق لوجوده لأسباب, منها :  

  1. وقع في الفروع والجزيئات لا في الأصول والعقائد . 
  2. أسبابه منطقية ومعقولة , وهم معذورون فيها . 
  3. وقع نتيجة اجتهاد , فهم معذورون ومأجورون . 
  4. وقع في خير القرون من جيل الصحابة وفي من بعدهم .  
  5. وقع عند غير الفقهاء من أصحاب الفنون كالنحاة ... 
  6. اتفقوا على الأصول , وما اتفقوا عليه من الفروع أكثر مما اختلفوا فيه . 
  • إذن فهو أمر طبيعي لا ينبغي تضخيمه والمبالغة في التبرم منه . 

    ولذا يعده العلماء ( عذرا لبعض الأئمة في آرائهم على خلاف السنة ) 

     

    ولكن هنا لابد من التنبيه على قيود مهمة وهي :[115] . 
  1. أن كون المسألة من المسائل الاجتهادية لا يعني أن كل الأقوال التي قيلت فيها من الأقوال المعتبرة التي يجوز القول بها , بل لابد أن يكون القول معتمداً على دليل صالح للاعتماد . 
  2. يجب ألا تخرج الأقوال في المسألة الاجتهادية عن أقوال الصحابة _ رضي الله عنهم _ وذلك في المسألة التي بعثوها _ بخلاف المسائل النازلة والحادثة كما هو ظاهر _ وذلك لورود عدة نصوص عن جمع من الأئمة في عدم جواز الخروج عن أقوال الصحابة . 
  3. كثير من الناس يظن أن كون المسألة من المسائل الاجتهادية مسوغ لاختيار ما يشاؤون من الأقوال التي قيلت فيها هوى وشهوة , وربما دفع ذلك كثيراً من الناس إلى البحث عن أي خلاف في المسائل التي تعرض له , حتى يبرهن أنها مسألة اجتهادية فيجوز له الأخذ بما يشاء من الأقوال , ولا يحق لأحد الإنكار عليه , وهذا خطأ محض فيه مصادمة صريحة لوجوب الرد إلى الله ورسوله , يقول أبن القيم _ رحمه الله : " وقولهم إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح ... وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الاختلاف هي مسائل الاجتهاد , كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم , والصواب ما عليه الأئمة "  

    أسبابه: 

    1_ أسباب تعود إلى النص الشرعي : 

    أ ) لم يبلغ المخالف الحديث أو لم يبلغه الناسخ إذا كان منسوخاً : 

    ثبت في صحيح البخاري وغيره : حينما سافر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام , وفي الطريق ذكر له أن فيها وباء _ وهو الطاعون _ وقف يستشير الصحابة رضي الله عنهم, فاستشار المهاجرين والأنصار , واختلفوا في ذلك على رأيين , وكان الأرجح القول بالرجوع , وفي أثناء هذه المداولة والمشاورة جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه _ وكان غائباً في حاجة له _ فقال : عن عندي من ذلك علماً , سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم به في الأرض فلا تقدموا عليه , وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه " فصار هذا الحكم خافيا على كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار , حتى جاء عبد الرحمن فأخبرهم بهذا الحديث .ً  

    ب ) بلغه الحديث وصح عنه ولكنه نسيه : 

    ما رواه الأئمة أن حذيفة رضي الله عنه كان يصلي بالناس في المدان وكان يصلي على دكان يعني على مكان مرتفع وهو إمام بالناس وكان معه أبو مسعود الثقفي رضي الله عنه فجره فنزل حذيفة وأكمل صلاته فلما انتهى قال له أبو مسعود ألم تكن تعلم أنا كنا ننهي عن ذلك ( يعني عن ارتفاع الإمام عن المأمومين ) فقال حذيفة رضي الله عنه بلى , ألم ترني طاوعتك حين رددتني . وأشار إلى أنه نسي ثم تذكر لما جره أبو مسعود رضي الله عنه . إذن قد ينسى العالم أو الفقيه أو طالب العلم الدليل فإذا ذكر به تذكر ورجع إلى مضمون هذا الدليل . 

    ج )بلغه ولم يصح عنده : 

    - بلغه من طريق ضعيفة فلم يأخذ به . 

    - اختلاف العلماء فيه تصحيحاً وتضعيفاً ويكون هو ممن ضعفه .  

    فقد يضعف عالم حديثاً يصححه آخر , وهذا كثير , فعلماء الحديث وعلماء الجرح والتعديل يوجد بينهم من الاختلاف ومن الاتفاق مثلما بين غيرهم من العلماء ولذلك قد يصحح إمام ما حديثاً ويقول به ويضعفه إمام آخر , فيكون الإمام الذي ضعف الحديث معذوراً بعدم العمل بهذا الحديث , وعدم الأخذ به لأنه ما صح عنده , وهذا من أعظم أسباب الاختلاف . ولذلك نجد من العلماء من يقول بحديث ثمّ يتبيّن له ضعفه فيترك العمل به . ومن الأمثلة : الإمام أحمد كان يقول بمضمون حديث عبد الله بن عكيل " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " وكان يذهب إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة لا قبل الدبغ ولا بعده أخذاً بهذا الحديث , فلما رأى اضطراب الرواة في هذا الحديث واختلافهم فيه ترك هذا الحديث , وذهب إلى غيره . 

    2 _ أسباب تعود إلى الفقيه وفهمه : 

    أ ) بلغه الحديث وثبت عنده ولكنه يرى : 

    - أن دلالته على الحكم مرجوحة . 

    - أو أنه لا يدل على المقصود . 

    - أو أنه فهم منه خلاف المراد . 

    - أو لوجود معارض أرجح منه . 

    ففي قوله تعالى ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً ) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى ( أو لا مستم النساء ) ففهم بعض منهم أن المراد مطلق اللمس , وفهم آخرون أن المراد به اللمس المثير للشهوة , وفهم آخرون أن المراد به الجماع , وهذا الرأي رأي ابن عباس رضي الله عنهما . 

    لما رجع رسول الله e من غزوة الأحزاب , ووضع عدة الحرب , جاءه جبريل فقال له : إنا لم نضع السلاح فاخرج إلى بني قريظة , فأمر رسول الله e أصحابه بالخروج , وقال : (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) الحديث , فقد اختلف الصحابة في فهمه , فمنهم من فهم أن مراد رسول الله e المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة , فلما حان وقت العصر وهم في الطريق صلوها ولم يؤخروها إلا أن يخرج وقتها . ومنهم من فهم : أن رسول الله e طلب أن لا يصلوا إلا إذا وصلوا إلى بني قريظة , فأخروها حتى إذا وصلوا إلى بني قريظة , فأخروها عن وقتها . 

    يقول الله تعالى ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) . اختلف العلماء اختلاف واسعاً في تحديد القرء ما هو فمنهم من قال إن القرء هو الطهر ومنهم من قال القرء القرء هو الحيض . وحينما ترجع إلى كتب اللغة تجد أن من علماء اللغة من قال أن القرء من ألفاظ الأضداد الذي يطلق على الطهر ويطلق على الحيض ومن هنا جاء الاختلاف . 

    ب ) يرى بعضهم نسخه : 

    فحديث " أفطر الحاجم والمحجوم " منهم من يرى أنه منسوخ بحديث " أن النّبي e احتجم وهو محرم صائم " . 

    ج ) الاعتماد على الضعيف , أو الاستدلال استدلالا ضعيفاً : 

    فمن أمثلة الاستدلال بالحديث الضعيف , ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب صلاة التسبيح وهو أن يصلي الإنسان ركعتين يقرأ فيهما بالفاتحة , ويسبح خمس عشرة تسبيحة , وكذلك في الركوع والسجود , إلى آخر صفتها . 

    ويروى آخرون : أن صلاة التسبيح بدعة مكروهة , وأن حديثها لم يصح , وممن يروي ذلك الإمام أحمد رحمة الله , وقال : إنه لا تصح عن النبي e , وقال شيخ الإسلام رحمه الله إن حديثها كذب على رسول الله e . 

    فمن أمثلة الاستدلال الضعيف ما استدل به بعض العلماء من حديث " ذكاة الجنين ذكاة أمه " أن ذكاة الجنين كذكاة أمه تكون بقطع الودجين  وإنهار الدم ولكن هذا بعيد والذي يبعده أنه لا يحصل إنهار الدم بعد الموت . والمعروف عند أهل العلم من معنى الحديث أن أم الجنين إذا ذكيت فإن ذكاتها ذكاة له أي لا يحتاج إلى ذكاة إذا أخرج منها بعد الذبح لأنه قد مات ولا فائدة من تذكيته بعد موته . 

    وكذلك استدل بعضهم بقول عمر رضي الله عنه " نعمت البدعة هذه " استدلالا  

    ضعيفاً حيث ظنوا أنه يمدح بدعة فقالوا إن بعض البدع حسن , وهذا استدلال ضعيف جداً , فعمر رضي الله عنه يريد ( قيام الليل جماعة ) وهو سنة فعله الرسول e لبعض الليالي ثم امتنع خشية أن يفرض على الأمة كما قال e , فلما مات e انتفى المانع , فأحيا عمر هذه السنة , إذن الممدوح سنه لا بدعة . 

    الموقف الصحيح من اختلاف العلماء : 

    والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام [116] 
    • عالم رزقه الله علما وفهما . 
    • طالب علم عنده من العلم , ولكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحر . 
    • عامّي ( وقد يكون طبيباً ...) لا يدري شيئاً في العلوم الشرعية . 

      أما العالم فله الحق أن يجتهد وأن يقول , بل يجب عليه أن يقول ما كان مقتضى الدليل عنده , مهما خالفه من خالفه من الناس , لأنه مأمور بذلك قال تعالى ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام رسوله . 

      وأما طالب العلم : الذي رزقه الله علماً ولكنه لم يبلغ درجة الأول , فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والإطلاقات وبما بلغه , ولكن يجب عليه أن يكون محترزاً في ذلك وألا يقصر في سؤال من هو أعلى منه من أهل العلم , لأنه قد يخطئ . 

      وأما العامي : وهو من ليس عنده علم , فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم , لقوله تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) إذن لابد له من أن يسأل , ولكن من يسأل ؟ ينبغي له أن يسأل من يراه الأفضل في دينه وعلمه _ لا على سبيل الوجوب - , ويجب عليه تحري الحق بسؤال من يثق بعلمه من العلماء . 

      حكم تتبع الرخص : 

      ولا يجوز للمسلم تتبع رخص العلماء أو زلاتهم : قال e : " الحلال بين والحرام بين ..."  

      وقال e : " دع ما يريبك إلى ما لا يريدك "  

      وقال العلماء : " من تتبع الرخص فقد تزندق "  

      قال الأوزاعي : " من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام " 

      قال سليمان التيمي : " لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله " 

      قال ابن عبد البر معقباً على قول التيمي : " هذا إجماع لا أعلم فيه خلاف " 

      قال الدارمي : " إن الذي يريد الشذوذ على الحق يتبع الشاذ من قول العلماء , ويتعلق بزلاتهم, والذي يؤم الحق في نفسه يتبع المشهور من قول جماعتهم , ويتقلب مع جمهورهم , فهما آيتان يستدل بهما على إتباع الرجل أو ابتداعه "  

      وقد زين الشيطان لكثير من الناس مقولتهم " ضعها في رأس عالم وأخرج منها سالما" 

      وأخيراً ينصح المسلم ولا سيما طالب العلم إذا نزل به نازلة من مسائل العلم ألا يتعجل حتى يتثبت ويعلم فيقول لئلا يقول على الله بلا علم . 

      ويتّضح لنامن معرفة أسباب الخلاف الفقهي أن التعصب لآراء بعض الفقهاء دون بعض مذموم, وهذه نبذه عن هذا التعصب الذي حل بالأمة , ولا سيما في القرنين الماضيين . 

       

      التعصب المذهبي [117]. 

      من الانحرافات التي اشتدت وطأتها في القرون المتأخرة خصوصاً القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين ما عرف بالتعصب المذهبي , ذلك الداء العضال الذي استشرى مع الأيام خطره , وقد ساعد هذا الداء الخطير على إضعاف المستوى التعليمي , وانحدار العلوم وجمودها , وتكبيل العقول والأفهام والحجر عليها , بالإضافة إلى ما تسبب فيه من تفريق كلمة المسلمين وإفساد ذات بينهم , وزرع العداء والشقاق بين أفرادهم وجماعاتهم , بعد أن تحزبوا طوائف وجماعات , كل طائفة تناصر مذهبها وتعادي غيرها من أجله , وكم تكون المصيبة حين يجتمع في البلدة الواحدة مذهبان , فتصبح مسرحاً للعداء المتفاقم بين الطائفتين , وتحرص كل طائفة أن تفرض هيمنتها على المدينة التي تقطنها , وتبسط نفوذها على ما جاورها من قرى وأماكن , فليس بمستغرب بعد هذا أن ينقرض مذهب عاش زمناً طويلاً في بلد ما , بسبب النزاعات الدائمة وهجرة الفقهاء بسببها ... يقول الشيخ محمد قطب عن التعصب المذهبي الذي عم الدارسين : " كل يتعصب لمذهبه الذي نشأ عليه ويجعل قصارى جهده من أجل دينه أن يثبت تفوق مذهبه وشيوخه على المذاهب الأخرى وشيوخها , وأن يدخل في معارك  من أجل المذهب تتجاوز في كثير من الأحيان حد الجدل باللسان إلى التدافع بالأيدي والأبدان , وفشت الفرقة والتنابذ بين أصحاب المذاهب المختلفة حتى إن أحدهم قد يرفض أن يصلي خلف إمام من غير مذهبة بل قد يقاتل أخاه في الصلاة ؛ لأنه رآه إلى جواره يرفع يديه أو يضعهما على صدره بما يخالف مذهبه , ويحس أن مقاتلته لأخيه في الإسلام على هذا النحو هي الخدمة التي يؤديها للإسلام " . 

      وإن الألم يعصر قلب المؤمن ويتملكه الأسى حين يدخل إلى الحرم [118] أو مسجد رسول الله e أو المسجد الأقصى وغيرها من المساجد والجوامع الكبار كالجامع الأزهر والجامع الأموي بدمشق في ذلك الزمن فيرى المسلمين طوائف وجماعات كل طائفة تصلي خلف إمام مذهبها , ولا ترى أن صلاتها تصح خلف غيره . 

      ويذكر صاحب المنار عن أحد شيوخ الأزهر قوله : " إن علم الحديث لا حاجة إليه في هذه العصور البتة . أما من حيث الرواية فقد فرغ منه من قرون , وأما من حيث الدراية فلا يجوز لمسلم أن يأخذ بالحديث , بل الواجب الأخذ بكلام الفقهاء , ومن ترك فقهاء مذهبه للأخذ بحديث مخالف فهو زنديق !!  

الخلاف العملي / الحركي بين جماعات المسلمين *[119] 

ويعني به ما يقع بين المسلمين في واقع حياتهم وشئون دعوتهم من اختلاف وتباين في المواقف والأعمال والآراء , وهذا الخلاف يعصف بالأمة الإسلامية عصفاً في هذا العصر ويتسبب في مشاكل تبدأ ولا تنتهي في أوساط العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله بل وعامة المسلمين . جاءت الأحزاب والجماعات وليتها كانت مختلفة اختلاف تنوع لو كان كذلك لهان الأمر ولكنه اختلاف تضاد وتباين في المواقف وهذا الاختلاف خطير جداً ويؤثر على مستقبل الأمة الإسلامية ولذلك نتمنى أن يتفهم الشباب الموقف السليم من هذا الاختلاف ويدركوا كيفية التعامل معه بروح مرنة وواقعية ويخالفوا الله تبارك وتعالى في هذا الأمر الخطير . 

هذا الخلاف له أسباب كثيرة ونذكر منها : 

  1. التمسك ببعض الحق وترك بعضه : 

    فقد تجتمع جماعة على أخذ جزء من الدين والعناية به وترك ما عداه فيكون هذا سبباً للاختلاف لأن غيرهم يأخذ جزءاً آخر وهكذا ولذلك الله تعالى نعى على بني إسرائيل بأنهم نسوا حظا مما ذكروا به ( ونسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) . وهكذا وجدة فئة من الناس من ينظرون إلى الإسلام على أنه سياسي فيركزون دعوتهم على إسلامية السياسية وإلى دخول المسلمين في مجال السياسة مثلاً والأحزاب والانتخابات والمجالس وغير ذلك يغفلون عما سوى ذلك وينظرون إلى من يعنى بتعلم العلم الشرعي والدعوة إلى الالتزام بالسنن والعمل بها وتصحيح العقائد إلى أنهم أناس مغفلون بعيدون عن الواقع مشغولون بالقشور كما يقولون _ وأحياناً بأمور تافهة _ كما يقول البعض ومثل هذه الأساليب خطأ ولا يجوز استعمالها , وينظرون إلى من اعتنى بجزء آخر من الدين نظرة تنقص وإذا عكست الصورة وجدة الأمر نفسه كذلك فقد تجد من المسلمين من قد يهتم بالعلم الشرعي فقط ويغفل عن جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلاً , يغفل عن جانب الدعوة إلى الله تعالى يغفل عن جانب مقاومة المنكرات ويعتقد أن الواجب على الجميع الانصراف إلى تعلم العلم الشرعي ولأن كل طائفة تمسك بطرف وجد الاختلاف . 

    وحين توجد عند المسلمين جميعاً العناية والالتزام بجميع أمور الإسلام يحصل قدر من الاتفاق. وقد يقول قائل وهل من المعقول أن كل إنسان سيهتم بكل الأشياء بقدر متساوٍ ؟ويقال : لا , فكل إنسان له مجال يهتم به أكثر من غيره لكن هناك فرق بين كون الشخص يهتم بمجال ويعدّ أن غيره قام بعمل آخر جليل فهو قام بفرض كفاية والآخر قام بفرض كفاية وبين أن يعد غيره مفرطا , فمثلاً الذي يشتغل بالجهاد ومنازلة أعداء الله تعالى في ميادين القتال ويقوم بفرض كفاية ولكن ليس من حقه أن يلوم ويعاتب من يقوم بفرض كفاية آخر وهو تعلم العلم الشرعي وتعليمة مثلاً فيصفهم مثلاً بأنهم قاعدون متخاذلون أو ما أشبه ذلك , والعكس كذلك فليس من حق المشتغلين بالعلم الشرعي أن يلوموا القائمين بالجهاد ويطلبوا منهم ترك الجهاد والاتيان لتعلم العلم الشرعي إلا بقدر معين من تعلم فرض العين الذي يجب على كل مسلم أن يتعلمه كالعقيدة الصحيحة وأحكام الجهاد وما أشبه ذلك أما تفرغهم لطلب العلم فلا يطالبون به وكذلك غيرهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومن يبين البدع وغيرها وكل هذه الأمور مطلوبة والاختلاف فيها اختلاف تنوع لا تضاد . 
  2. الالتفاف حول شخص معين : 

    ما أكثر ما يجتمع مجموعة من طلاب العلم حول شيخ أو مجموعة من الدعاة حول داعية يكون نشيطاً ويصبح هؤلاء عبارة عن _ مريدين _ ينظرون إلى الدنيا من خلال هذا الداعية أو الشيخ , قوله حق لا يحتمل الخطأ وإذا رضي عن شخص رضوا عنه , وإذا سخط على آخر سخطوا عليه . 

    وهل أنا إلا من غزية إلا غوت        غويت وإن ترشد غزية أرشد  

    ربط هؤلاء الناس عواطفهم ومعتقداتهم وآرائهم وتصوراتهم بفلان من الناس بحيث كل ما يقول يقبلونه وقد يقول القول اليوم فيقبلونه فيرجع عنه غداً فيرجعون , ورفع الأفراد فوق منزلتهم وفوق قدرتهم يعد انحرافاً عن المنهج الصحيح . 

    والمشكلة أن بعض الكبار من القادة وغيرهم يفرحون بهذا يفرحون بأن حولهم مجموعة من الناس لا يخالفون لهم رأياً , ولا يعملون عملاً إلا بعد الرجوع إليهم وأخذ رأيهم , ولا يعترضون عليهم فيقول سواء كان القول متعلقاً بحكم شرعي أو واقعي أو غير ذلك , فيتربى الناس على هذا الأمر , وفي النتيجة يقع الانحراف , ولكن الناصح لنفسه ودينه لا يعمل على ايجاد الاختلاف والعناد ولكن يربي الناس على أن يكون لديهم اعتزاز بآرائهم وعقولهم واستقلالية في أشخاصهم فيعرض لهم القول ويطلب منهم المناقشة حولهم ولا يلزمهم برأيه , كما أنه يجب على الشباب ألا يقدسوا شخصاً مهما كانت منزلته والرسول e هو الذي يؤخذ منه كل ما قال وأمر به , وأما من دونه فيؤخذ من قوله ويرد كما قال الإمام مالك رحمه الله " ما منا إلا راد ومردود عليه , ما منا إلا من يأخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر e " . 

    قد يبلغ التعصب ببعض الناس ألا يقرأ لغير جماعته في الدعوة أو مذهبه في الفقه أو غيره , فيسقط المصادر الأخرى كلها _ مع شرعيتها _ سوى جماعة : أشخاصاً أو كتاباً , أو رسائل , أو مجلات ... الخ . وهذا داء قد ينتج عنه كثير من الأدواء . إن هذا الداء يسبب شللاً في التكوين العلمي , قد ينبني عليه خلل في القناعة , أو في السلوك , وبهذا المسلك يستحكم التعصب والهوى في الفرد وفي المجتمع . وقد أصبح بعض المسلمين يوالي ويعادي على طريقته وطريقة طائفته أو جماعته ,لا بل بلغ الأمر عند بعضهم إلى ما هو أشد من هذا . لقد سأل بعضهم شخصاً : هل تجوز الصلاة خلف التبليغي ؟ وكان يتثبت من الجواب ! ويريده من عالم محقق !! . 

    فينبغي لنا نحن المسلمين في هذا العصر أن نتخلص من هذا المسلك , ونستفيد من عمر الزمن في إدراك هذه الحقيقة . 

    وقد يبلغ ضعف التفكير عند بعض الناس , أو ضعف القناعة بمنهجه أن يخالف أن يقرأ أو يسمع لغير جماعته أو أفرادها , أو يخالف أن يجلس أو يلتقي بأحد سوى جماعته .. نعم إنه يخالف !! يخالف أن يغيروا إيمانه بفئته , أو معتقده , أو طريقته ؛ فلذلك هو يجتنب أي مصدر سوى مصدر واحد هو جماعته وأهل طريقته . 

    وينتج عن هذا الداء أن ترى نماذج من المسلمين تتمسك بما عليه جماعتها أو فئتها , لا شيء سوى أنه طريقة جماعتها أو طريقتها . ولا تسل عن أنواع التعصب وأخطاره بعد ذلك !!. 
  3. ضعف التربية عند شباب الإسلام وعدم الخوف من الله ورعاية الأمانة التي أئتمنهم الله عليها:  

    فأصبح لدى بعضهم الرغبة في مخالفة الآخرين ومنابذتهم واتهامهم بأنهم فعلوا وقالوا ... وهم يضعون من الحبة قبة ويجعلون من القضية الصغيرة قضية كبيرة موجبة للمنابذة والتفرق العملي والواقعي والأمر لا يستدعى كل هذا . 

    والذي يوجد عنده الخوف من الله تعالى يستطيع أن يتغلب على كثير من أسباب الخلاف ولذلك أهل السنة والجماعة على مدار التاريخ كانوا دعاة وحدة وليسوا دعاة فرقة ولنا في ابن تيمية وموقفه من خصومه خير شاهد على ذلك . 
  4. ضيق الأفق : 

    الذي يجعل الإنسان يرجع ليقول قولي صواب لا يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ لا يحتمل الصواب وليس في قضايا شرعية بل في قضايا واقعية . وينبغي على المسلم أن يكون واسع الأفق وعنده الاستعداد للسماع من الآخرين ثم القبول أو الرد على وفق ما يصل إليه اجتهاده . 
  5. اختلاف العقول والمدارك والاجتهادات : 

    والله عز وجل خلق الناس متفاوتين في عقولهم وهذا الاختلاف الفطري يؤدي إلى اختلاف في أشياء كثيرة , وكمثال على ذلك قول النبي e " لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة حيث اختلف الصحابة حسب فهمهم لهذا النص . 
  6. الاختلاف العلمي فقد يؤدي إلى الاختلاف العملي . 
  7. الفراغ لدى شباب الأمة ... 

    وهناك بعض الآثار المترتبة على هذا الاختلاف العملي الموجود بين المسلمين ومنها: 
  1. فساد ذات البين واختلاف القلوب بين المسلمين بسبب سوء الظن وإذا وجد سوء الظن كان مدعاة إلى التجسس وتلمس الأخطاء والعيوب ثم تأتي الغيبة وهكذا السلسلة يجر بعضها بعضاً . لذلك قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ) , إذن سوء ظن ثم تجسس ثم غيبة . وقد تسمى هذه الأخطاء بغير اسمها . 
  2.  إتاحة الفرصة للعدو للنيل من المسلمين فالعدو _ ولا شك _ يفرح حين يوجد بين المسلمين من يكيد ببعضهم . 
  3. انشغال المسلمين ببعضهم عن العدو المشترك فينام العدو قرير العين بعد أن توجهت سهام المسلمين إلى صدورهم . 
  4. تحطيم القدوة العلمية للشباب , فالشباب يحتاجون إلى قدوة علمية وعملية موجودة في الواقع . 
  5. تردي أحوال المسلمين على كافة المجالات العلمية والعملية والدعوية وسيعود الفشل في أعمالهم نظراً لوجود التنازع والاختلاف بينهم كما قال الله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشوا وتذهب ريحكم ) . 

     

    والعلاج لكل هذا باختصار : 
  1. استشعار الضرر الناتج بسبب هذا الخلاف والتفرق الموجود بين المسلمين , واستشعار أهمية الوحدة . 
  2. الاشتغال بمعالي الأمور وتكوين النفس والقيام بالواجبات الشرعية فمن شغل نفسه بالجد لم يجد الفراغ للكلام في غيره نقداً وتجريحاً . 
  3. إدراك جهود الأعداء ومدى ما وصلوا إليه من تخريب عقائدي وأخلاقي للأمة . 
  4. لابد من تجنب الغيرة المؤدية إلى البحث عن الزلات . 
  5. لا بد من تربية النشء على مراقبة الله تعالى , وعلى وسعة الأفق والتماس العذر للناس . 
  6. لابد من تجنب التعصب والهوى . 
  7. أهمية العلم الشرعي . 
  8. لابد من الشمولية وعرض الإسلام عرضاً كاملاً . 
  9. لابد من قيام العلماء والدعاة بدورهم للتوعية والدعوة إلى الله تبارك وتعالى ونشر العلم الصحيح وتوعية الشباب في الأشياء التي لا يجوز الاختلاف فيها والأشياء التي يسعها الخلاف. 

     

    حكم تعدد الأحزاب في الإسلام : 

    قال الله تعالى : ( أولئك حزب الله ) ( أولئك حزب الشيطان ) , وعلى ضوء ذلك فإنه ليس في الدنيا إلا حزبان اثنان حزب الله وحزب الشيطان فمن جعل حزب الله أحزاباً فقد ساهم في تمزيق حزب الله وتفريق كلمة حزب الله , ومن والى بعض حزب الله على حساب بعض حزبه الآخر فقد عادى أولياء الله .  

    قال رسول الله e : " لا حلف في الإسلام , وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " رواه مسلم . وذلك أن الإسلام لما قضى على جميع المواد التي كانت أساس الولاء والبراء في الجاهلية , وجعل الإسلام نفسه مادة الولاء والبراء, وجعل جميع المسلمين سواسية في الحقوق لم يبق عنده مجال لتعدد الجماعات المتفرقة , بحيث لا يكون لإحداها حقوق وعلاقات بالأخرى حتى لا يحتاج إلى عقد التحالف بينهما . 

    قال الإمام ابن تيمية رحمه الله : " وكذلك تنازع الناس هل يشرع في الإسلام أن يتآخى اثنان ويتحالفا , كما فعل المهاجرون والأنصار ؟ فقيل : إن ذلك منسوخ ؛ لما رواه مسلم في صحيحة , عن جابر أن النبي , e , قال : " لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة " , ولأن الله قد جعل المؤمنين إخوة بنص القرآن , وقال النبي , e : " المسلم أخو المسلم لا يسلمه , ولا يظلمه " " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه بالخير ما يحبه لنفسه " . 

    فمن كان قائماً بواجب الإيمان كان أخاً لكل مؤمن . ووجب على كل مؤمن أن يقوم بحقوقه , وإن لم يجر بينهما عقد خاص ؛ فإن الله ورسوله قد عقدا الأخوة بينهما بقوله : " إنما المؤمنون إخوة ) وقال رسول الله e : " وددت أني قد رأيت إخواني " . 

    ومن لم يكن خارجاً عن حقوق الإيمان كان أخاً لكل مؤمن . ووجب على كل مؤمن أن يقوم بحقوقه , وإن لم يجر بينهما عقد خاص ؛ فإن الله ورسوله قد عقدا الإخوة بينهما بقوله " , وإن لم يجر بينهما عقد خاص ؛ فإن الله ورسوله قد عقدا الإخوة بينهما بقوله (إنما المؤمنون إخوة ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وددت أني قد رأيت إخواني "  

    ولم يكن خارجاً عن حقوق الإيمان كان أخاً لكل مؤمن , وجب أن يعامل بموجب ذلك , فيحمد على حسناته ؛ ويوالي عليها , وينهى عن سيئاته , ويجانب عليها بحسب الإمكان , وقد قال النبي , e : " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " وقلت ( الراوي ) : يا رسول الله ! انصره مظلوماً , فكيف أنصره ظالماً ؟! قال " تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه " . 

    والواجب على كل مسلم أن يكون حبه وبغضه , وموالاته ومعاداته ؛ تبعاً لأمر الله ورسوله؛ فيحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله , ويوالي من يوالي الله ورسوله, ويعادي من يعادي الله ورسوله . 

    ومن كان فيه من يوالى عليه من حسنات وما يعادى عليه من سيئات عومل بموجب ذلك , كفساق أهل الملة ؛ إذ هم مستحقون للثواب والعقاب , والموالاة والمعاداة , والحب والبغض , بحسب ما فيهم من البر والفجور ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره , ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) .  

    وهذا مذهب أهل السنة والجماعة , بخلاف الخوارج المعتزلة , وبخلاف المرجئة والجهمية ؛ فإن أولئك يميلون إلى , وهؤلاء إلى جانب , وأهل السنة والجماعة وسط .. " . 

    والتحزب والافتراق إلى جماعات وأحزاب أمر لا يطابق معنى الإسلام ولا يتصور فيه لأن مجرد التمييز بمحالفة خاصة يجعل غير الحليف في مكان أدنى من الحليف وهذا لا يجوز في شرع الله, إذ الدنو والعلو مردة للطاعة لا لغيرها مما يحالف الائتلاف والجماعة .  

    وهذا يعني أن الإسلام لا يتحمل في داخله تنظيماً آخر بحيث تكون أسس ذلك التنظيم وقواعده أساسا للولاء والبراء , لأن هذا النوع من التنظيم يقتضي أن من انتظم فيه ؛ يستحق العون والنصرة والإخاء وغيرها من الحقوق , ومن لم ينتظم فيه ؛ لا يستحق تلك الحقوق , مع أن الإسلام أعطى للمسلم جميع هذه الحقوق لمجرد كونه مسلماً لا لسبب آخر . 

    وفي إطار هذا المعنى يمكن فهم حكم الأحزاب السياسية في الإسلام , فإنها تنظم أهلها على أسس وقواعد تختارها , ثم تجعل الانتماء إلى الحزب أساس الولاء والبراء , والحزب حينما يحسن إلى من لم يدخل فيه , لا يتعامل معه إلا معاملة لا تزيد على البر والإقساط الذي سمح الله للمسلمين أن يعاملوا به المشركين في قوله تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لا يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) , أما الولاء الذي هو فوق هذا البر فإن الحزب لا يعامل به إلا من دخل فيه وانتمى إليه [120] إننا عندما نقرر أن منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الحق , ينبغي أن نقرر أنه لم يكن كذلك بسبب الكثرة , وإنما لأنه منهج رسول الله e , وأصحابه , ولأن عليه أدلة الكتاب والسنة . 

    إن مفهوم الولاء والبراء موضوع يحتاج إلى تجلية وتصحيح في أذهان بعض المسلمين ؛ لما لحقه من خلل في الفهم , لقد تصور أو صور .. بعض المسلمين أن الولاء والبراء كما يكون بين المسلمين والكافرين , يكون بين المسلمين أنفسهم , وذلك بناء على ما بينهم من اختلاف في المذاهب ؛ أو المناهج الدعوية , أو المدارس الدعوية , أو الوسائل الدعوية ,أو بناء على الأحكام الفرعية ! . 

    وهذا الفهم إنما هو خطأ في تصور الحكم الشرعي , وخلل في التفكير . أما أنه خلل في التفكير فهو واضح فليس كل من خالفك في كبيرة , أو صغيرة , أو جزئية ,أو في الرأي ؛ يلزمك معاداته , ومفاصلته , والبراءة منه , وعدم رد السلام عليه , أو استباحة دمه , بل العقل والفطرة لا يقبلان هذا الفهم , وهذا المسلك . 

    وأما هذا التصور خطأ في فهم الحكم الشرعي في هذا الأمر , فلأن النصوص الشرعية قد قررت غير هذا الفهم , حيث علقت الولاء بين المؤمنين على أصل الإسلام ولوازمه , وليس على فروع الدين , ومذاهب المسلمين وطرائقهم في الدعوة , ولعله يكفينا دليلاً مثل قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) فعلق الله , سبحانه , الولاية بين المسلمين على وصف الإيمان , ثم ذكر صفات هؤلاء المؤمنين فقال سبحانه : ( والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) . فلم يذكر في صفاتهم شيئاً من فروع الدين , وإنما من أصوله , ثم أكد هذا المعنى بعد ذلك فقال : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) , وقال في الآية الأخرى : ( ... وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ... ) , وقال سبحانه : ( في الدين ) , ولم يقل في الطريقة , ولا في المذهب , ولا في المدارس الفكرية , ولا في فروع الإسلام !  

    ولعل مما يقنع المرء بالبعد من داء التعصب أن يعلم يقيناً أن المقياس في معرفة الحق والصواب ليس هو الأشخاص _ سوى الرسل والأنبياء _ وإنما المقياس هو الدليل والمنهج ؛ فمن أراد الحق والصواب والالتزام بهما , فليمسك بالدليل الصحيح والمنهج السليم , وليمحص الدليل والمنهج , وسيصل بإذن الله تعالى . 

    يتصور بعض الناس أن التعصب والهوى لا يكون من الرجل الصالح , فينظر هذا إلى الرجل الصالح حسب المظاهر , أو حسب بعض السلوك , فيزكيه تزكية عامة , يقبل بمقتضاها عنه كل خبر ينقله له , أو كل حكم يحكم به , أو كل رأي يراه , أو كل جهة يتوجه إليها ... 

    والصحيح أن التعصب والهوى , داء يمكن أن يصاب به الرجل الصالح وغيره , بل قد يكون هذا الداء إلى الصالحين والمخلصين أقرب من غيرهم . 

    والواجب على كل مسلم أن يحترس من هذا الداء ممن كان , حتى لو كان المتصف به نفسه, أو صديقه , أو من يحبه , أو رجلاً صالحاً ,أو عالماً فاضلاً أو سواهم فليس ثمة معصوم بعد الرسل والأنبياء . 

حقيقة دعوى التقارب بين السنة والشيعة *[121] 

تعد الشيعة من أكثر الفرق التي نشأت في التاريخ الإسلامي بعداً عن منهج أهل السنة والجماعة في أصول الدين وفروعه , وهي أكبر فرقة حركية تقابل السنة ولا سيما في العصور المتأخرة . 

ولذا حرص بعض دعاتهم على إضفاء الشرعية الإسلامية على حركتهم وصاروا يدعون إلى التقارب بيننا وبينهم بهدف أرادوه وخفي على كثير من دعاة السنة ممن ظن الأمر جدياً وسعى مستجيباً لتوحيد هذين الضدين ظناً منه بإمكان ذلك . 

ومن أهم سمات دعاة الشيعة ( الرافضة ) المكر والمخادعة لكسب مزيد من الوقت والأنصار, وليكون مذهبهم مقبولا ً في أوساط أهل السنة دون أن يقدموا أي تنازل . 

ومن أهم سمات المدعوين لذلك والمستجيبين الخلط بين الأصل والفرع في القضايا وهذا سببه الجهل بحقيقة عقيدة الطرف الآخر ولذا انخدعوا بهم واستجابوا لهم وظنوا في ذلك مصلحة حتى دعاهم إلى التنازل عن كثير من المسلمات والضروريات , وتسبب عن هذا فقدان الشخصية المتميزة للمسلم . 

أما مواطن البحث عن هؤلاء وهؤلاء فإنها في مواطن الاتفاق دون مواطن الاختلاف ظناً منهم بأن هذا هو الطريق السليم للوصول إلى نتيجة أفضل , بل أنهم ليقدمون البحث في الفروع قبل الأصول وهذا من أهم علامات الخلل في المنهج . 

ونبدأ البحث في دعوى التقارب بإيراد نبذه مختصرة جداً عن الشيعة وحقيقة عقائدهم , والشيعة فرق تدعى موالاة آل البيت _ علي وذريته فقط عندهم , بينما ذلك يشمل نساء النبي وجميع آله عند المسلمين _ ظاهراً تزعم قدمائهم اليهود عبد الله بن سبأ _ ابن السوداء _ الذي كان له أكبر الأثر في إثارة الفتنه على الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه , وكان في هذه الطائفة في البداية بعض المعتدلين الذين لم يعتقدوا بعقائد الغلاة , ولكن _ وللأسف _ ومنذ القرن الثاني الهجري وحتى الآن لا تكد تجد شيعياً ممن ينتسب إلى الإمامية أو الجعفرية أو النصيرية .. غير غال . 

وبهذا أصبح التشيع مظلة يدخل تحتها كل من أراد الكيد للإسلام وأهله . 

وقد يظن بعض الناس أن الطوائف الشيعية التي يزيد تعدادها على سبعين فرقة , كل فرقة تدعى أن الحق في جانبها , لا تتفق فيما بينها , على أصول مشتركة , وأن لكل طائفة عقيدتها الخاصة , وطقوسها التي لا يعتمد بها غيرها . ولكن دراساتي لعقيدة التشيع أكدت بما لا يدع مجالاً للشك , بأن الأصول الإلحادية للتشييع , مشتركة بين جميع الطوائف , وأن الاختلاف بين كل طائفة وأخرى , شكلي لا جوهري , بل هو أقل بكثير من الاختلاف الواقع بين أحد المذاهب الإسلامية , وبين ما بقي منها . لأن الدين عند كل طائفة منهم هو عبادة رجل . والرجل الذي تعبده هذه الطائفة تكفر به الطوائف الأخرى وتلعنه وتبرأ منه [122] .فهل يؤمنون بهذا القرآن الذي بين أيدينا كما نؤمن به ؟  

الحقيقة أنهم يدعون أن هذا القرآن قد دخله التحريف والتبديل بسبب كفر الصحابة , ونصوا على ذلك في نصوص كثيرة : 

بلغت أحاديثهم _ المفتراة _ والتي تثبت تحريف القرآن في اعتقادهم أكثر من ألفي حديث كما ذكر ذلك عالمهم نعمة الله الجزائري . وقد ادعى تواتر هذه الأخبار من طريق الشيعة كبار علمائهم : كالمفيد _ الذي يلقبونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام _ 413 ه حيث قال : " أقول أن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد e باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان "[123]  

وقد نقل مفيدهم هذا إجماع الشيعة على هذا الكفر حيث قال : " واتفقوا _ أي الإمامية _ على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن , وعدلوا فيه على موجب التنزيل وسنة النبي e وأجمعت[124] المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية " 

وكالمجلسي _ وهو من عظمائهم وصاحب أكبر موسوعاتهم الحديثية المتأخرة _ 1111 ه _ حيث قال : " وعندي أن الأخبار في هذا الباب _ أي باب الأخبار رأساً . بل ظني تحريف القرآن _ متواترة معنى وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة "[125] وهذا إمامهم الأخير الخميني يردد هذا الكفر في أقوال له منها : " إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين وما قاما به من مخالفات للقرآن ومن تلاعب بأحكام الإله وما حرماه وما حللاه من عندهما إن مثل هؤلاء الأفراد الجهال الحمقى الأفاقون والجائرون غير جديرين بأن يكونوا في موضع الإمامة وأن يكونوا ضمن أولي الأمر " ويقول : " إن تهمة التحريف التي يوجهها المسلمون إلى اليهود والنصارى إنما تثبت على الصحابة " ويقول : " لقد كان سهلاً عليهم ( الصحابة ) أن يخرجوا هذه الآيات من القرآن ويتناولوا الكتاب السماوي بالتحريف ويسدلوا الستار على القرآن ويغيبوه عن عيون العالمين " . 

وقد ألفوا في إثبات هذا الكفر كتباً مستقلة مثل فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب . 

والسنة ليست بأحسن من القرآن حالاً , فإن ما نعتبره سنة مما ورد في الصحيحين والسنن والمسانيد والموطأ وغيرها لا يعتدون به إلا ما وافق هواهم منه ورواياتهم , والسنة عندهم هي ما صدر عن الأئمة . وهذا دستور خمينيهم الأخير يقول في مادته الثانية أن نظامهم يقوم " على أساس الكتاب والسنة المعصومين " [126] 

وأما الصحابة رضي الله عنهم فقد كفروا بعد موت الرسول e في نظرهم إلا نفرا قليلاً , وقد طفحت كتبهم بسب ولعن كبار الصحابة وصغارهم . ويظهرون بذلك بصورة حسية : 

فتجد بعضهم في بعض الجهات يأتون بسخلة فيسمونها عائشة . ثم يبدؤون بنتف شعرها , وينهالون عليها ضرباً بالأحذية حتى تموت . 

ثم يأتون بكلب فيسمونه عمر , ثم ينهالون عليه ضرباً بالعصي ورجماً بالحجارة حتى يموت . وتجد آخرين قد أتوا بعجين وصنعوا منه ثلاثة تماثيل , وملئوا بطونها بالعسل وسموا أحدها ( أبا بكر) والثاني ( عمر ) والثالث ( عثمان ) ثم يبقرون بطونها بالمدى فيسيل منها العسل . فيصفقون فرحاً بأخذ الثأر لعلي بن أبي طالب من تماثيل العجين .[127] 

ومن هنا أسسوا مبدأهم في أنه لا ولاء لآل البيت إلا بالبراء من الصحابة رضي الله عنهم الذين قام على أكتافهم بنيان الإسلام , فمرادهم النيل من الإسلام لا مجرد الوقوف عند ذوات الصحابة كما قال الإمام أبو زرعة رحمه الله . 

وإذا صدم هؤلاء بالمواقف الطيبة بين بعض أئمتهم وبين أهل السنة من الصحابة ومن بعدهم لجؤوا إلى التقية . 

فلو كانت البراءة التي يطالبنا الشيعة الآن، ثمناً للتقريب بيننا وبينهم تتناول من يريدون منا أن نتناوله لكان مخطئاً إمامهم الأول علي بن أبي طالب في تسمية أولاده أبا بكر وعمر وعثمان ولكان أكثر خطأ بتزويجه بنته من عمر بن الخطاب ولكان محمد ابن الحنفية كاذباً في شهادته ليزيد لما جاءه عبد الله بن المطيع داعية بن الزبير وزعم له أن يريد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب فقال محمد بن علي بن أبي طالب " ما رأيت منه ما تذكرون وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظباً  

      

على الصلاة متحرياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة فقال له ابن المطيع والذي معه : وإن ذلك كان منه تصنعاً لك . فقال : " والذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع ؟ أفأطلعكم على ذلك أنكم لشركاءه , وإن لم يكن أطلعكم فما يحللكم أن تشهدوا بما لم تعلموا " قالوا : إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه فقال لهم : ( أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) ولست من أمركم في شيء " [128] . 

والحكم على هذه عقيدته ممن يؤمن بما ورد في كتبهم من كفريات وشركيات أمثال :الكافي , وفصل الخطاب , وفقه من لا يحضره الفقيه , والتهذيب والاستبصار , وغيرها يحكم عليهم بالكفر والبعد عن الإسلام , وقد توارت أقوال العلماء في ذمهم وكفرهم وكذبهم , منها : 

سئل الإمام مالك رحمه الله عن الرافضة فقال : " لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون " [129]وقال أيضاً : " من يبغض أحداً من أصحاب النبي e وكان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين "[130]. 

وقال الشافعي رحمه الله : " ما رأيت من أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة " [131]. 

وقال شريك بن عبد الله القاضي رحمه الله : " احمل عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا "[132] . وقال ابن المبارك رحمه الله : " الكذب للرافضة "[133] .قال ابن تيمية رحمه الله في الروافض : " ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المشركين على بعض جمهور المسلمين .. ولا ريب أنهم شر من الخوارج ... وموالاتهم الكفار أعظم من سيوف الخوارج ... وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق والروافض معروفون بالكذب . والخوارج مرقوا من الإسلام وهؤلاء نابذوا الإسلام .[134] 

وقال أيضاً : " والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء , ولهذا : كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد , كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب , كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء , وأعظمهم شركاً , فلا يوجد من أهل الأهواء أكذب منهم , ولا أبعد عن التوحيد منهم , حتى أنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن الجماعات والجمعات, ويعمرون المشاهد التي على القبور , التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها , والله سبحانه في كتابه إنما أمر بعمارة المساجد لا المشاهد "[135]. 

وقال أيضاً : " و الرافضة أمة مخذولة , ليس لها عقل صريح , ولا نقل صحيح , ولا دين مقبول , ولا دنيا منصورة " [136] . 

وقد نقل القولين السابقين عن ابن تيمية سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز مؤيدا في فتوى له عن الشيعة [137].  

قال أبو زرعة رحمه الله : " إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله e فاعلم أنه زنديق لأن الرسول عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة , والجرح بهم أولا وهم زنادقة "  

والإمام مالك إمام دار الهجرة يفتي بأن الروافض الذين يتنقصون أصحاب رسول الله e لا يعطون نصيباً من الفيء لأن الله جعل شرط ذلك قوله تعالى : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) وأفتى بأن من غاضه الصحابي فهو كافر لقوله تعالى : ( ليغيض بهم الكفار ) ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم في ذلك .[138]  

وكان أبو حنيفة يردد " من شك في كفرهم فقد كفر " . 

وذكر ابن حزم حينما كان يرد على النصارى الذين يرون أن القرآن محرف كما يقول الشيعة , بأن دعوى الشيعة ليست حجة على القرآن ولا على المسلمين لأن الشيعة غير مسلمين .[139]  

 قال الإمام أحمد رحمه الله : " من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار لأنهم اجتمعوا على تقديم عثمان " . 

قال ابن القيم رحمه الله " وأما غلاة الجهمية فكغلاة الرافضة , ليس للطائفتين في الإسلام  نصيب" [140] . 

قال الخطيب الشافعي : " يكفر من نسب الأمة إلى الظلال أو الصحابة إلى الكفر "[141] 

 

ولأجعل تسويق بضاعتهم الكاسدة , سعى الرافضة إلى خدعة سموها التقريب بين السنة والشيعة فأنشؤوا لذلك عند السنة داراً تسمى بدار التقريب . 

وما يقال عن انفراد التقريب بدار واحدة في عاصمة أهل السنة وهي مصر دون عواصم المذهب الشيعي ومراكز النشر النشيطة جداً للدعاية له والبغي على غيره يقال كذلك عن إدخال مادة هذا التقريب في مناهج الدراسة الأزهرية قبل أن يكون لذلك مقابل ومماثل في معاهد التدريس الشيعية . أما إذا اقتصر الأمر _ كما هو الواقع الآن _على طرف واحد من الطرفين أو الأطراف ذات العلاقة به فإنه لا يرجى له النجاح , هذا إذا لم يترتب عليه رد فعل غير حميد . 

ومن اتفه وسائل التعارف أن يبدأ منها بالفروع قبل الأصول .[142]  

 كما أن دار التقريب بالقاهرة تبنت هذا الرأي وقالت : ( رأت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية أن تقوم بمشروع علمي إسلامي جليل الشأن ذلك هو جمع الأحاديث التي اتفق عليها الفريقان في مختلف أبواب الإيمان والعمل والأخبار والأخلاق وغير ذلك من أبواب السنة المطهرة) . 

ومما لا ريب فيه أن الشيعة الإمامية هي التي لا ترضى بالتقريب ولذلك ضحت وبذلت لتنشر دعوة التقريب في ديارنا وأبت وامتنعت أن يرتفع له صوت أو تخطوا في سبيله أية خطوة في البلاد الشيعية  , أو أن نرى أثراً له  في معاهدها  العلمية , ولذلك  بقيت الدعوة إليه  من طرف  واحد .[143] 

ولما نفر الناس من دار التقريب هذه لعدم جدواها في التقريب , حاولوا الدخول إلى قلوب المصريين بمدخل يتقن الروافض اللعب فيه وهو مدخل " آل البيت " فأنشؤوا داراً أسموها " دار أهل البيت " تقوم هذه الدار بنشر كتب الروافض , وإحياء مواسم الرافضة والتبشير ب "الرفض " بأساليب مختلفة بين أهالي مصر  

فكانت دعوة التقريب هي " البدعة الكبرى " التي أرادت أن تعطي الكفر والظلال والإلحاد صفة شرعية , واسم الإسلام . 

وقد سببت دعوة التقريب خسارة كبرى لأهل السنة , وضرراً كبيراً لا يتصوره إلا من وقف على عدد القبائل التي ترفض بجملتها , فضلاً عن الأفراد , حتى تحولت العراق _ مثلاً _ بسبب هذه الدعوة من أكثرية سنية إلى أكثرية شيعية . وشيوخ الرفض يخططون لنشر الرفض بكل وسيلة تحت شعار التقريب . وبعد العراق بدؤوا في مصر وغيرها من بلاد العالم الإسلامي , واشتروا الأقلام وأغروا ضعاف النفوس بالإيمان , وخدعوا أصحاب الغفلة والجهل . وجعلوا منهم أبواق دعاية للرفض والروافض . 

وبسبب دعوة التقريب سكت أهل السنة أوجلهم عن بيان باطل الروافض وإيضاح الحق . 

وباسم هذه الدعوة وجدت كتب الرافضة , ونشراتهم ورسائلهم مكاناً لها في بلاد السنة . 

وأصبح بلاد الرفض يتحركون وسط بلاد السنة بيسر وسهوله وينشرون كتبهم ويقيمون ندواتهم ويفتحون مراكزهم . 

وتبين من خلال آراء التقريب من الروافض أنهم لم يغيروا شيئاً من عقائدهم الشاذة وأنهم إما مجاهرون بها أو مستخفون يخدعون ويتقون .. وأنهم لم يتقدموا ولا خطوة واحدة في مسألة التقريب , فلم يخرسوا ألسنتهم وأقلامهم التي تنهش في أعراض الصحابة ودينهم , والتي تطعن في " القرآن " و " السنة " والأمة , بل إن دينهم قام على أسس مضادة للتقريب أصلاً من تكفير للمسلمين , واعتقاد أن مخالفتهم هي الأصل والصواب .. ولهذا لم تثمر دعوة التقريب سوى خسارة كبيرة لأهل السنة ونصر لأهل الرفض . فما دعوة التقريب إلا ستار لنشر " الرفض " بين أهل السنة , بلا شك ولا ريب .  

فهل ينتبه أهل السنة إلى الأهداف الخطيرة التي يسعى الروافض لتحقيقها باسم الوحدة والتقريب والتآلف ...[144] 

 

ما نوع التقريب الذي يريدونه ؟ وعلى أي شيء نتحد ؟ إنهم يريدون أن يكبروا ونصغر , ويتقووا ونضعف , يريدون أن تكون لهم الأغلبية والغلبة شيئاً فشيئاً حتى يأتوا على جسم الأمة كله , وحين ذاك ينفذون ما يريدون بالحرمين وبغيرهما وبالمسلمين . 

إنهم ينظرون إلى الوحدة من خلال مذهبهم مستشهدين بما ينسبونه لفاطمة رضي الله عنها " ... وطاعتنا نظاماً للملة وإمامتنا أماناً من الفرقة "[145]. 

إنهم يعارضون كل دعوى تطلب من لعلماء البحث الجاد في مواطن الخلاف بينهم وبين أهل السنة , فهم يعلمون أن نتائجها ملزمة لهم , ولا يريدونها , ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بقلم الشيخ عطية محمد سالم , القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة " حينما قدم مندوب إيران قدم طلباً باعتراف الرابطة ( رابطة العالم الإسلامي ) بالمذهب الجعفري ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية الإسلامية ذات الوزن الكبير تؤيده على دعواه وتجيبه إلى طلبه , فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقاً وإن رفضوا واجهوا حرجاً , فاقترحوا أن يتولى الأمر فضيلته ( الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ) رحمه الله في جلسة خاصة . فأجاب في المجلس قائلاً : لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم , ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي : الإسلام دين الجميع والرسول e رسول الجميع والقرآن كتاب الله والكعبة قبلة الجميع والصلوات الخمس وصوم وحج بيت الله الحرام ومجتمعون على تحريم المحرمات من قتل وشرب وزنا وسرقة ونحو ذلك . وهذا القدر كاف للاجتماع والترابط , وهناك أمور علم جميعاً أننا نختلف فيها وليس هذا مسار بحثها , فإن رغب العضو الإيراني بحثها وإتباع الحق فيها ليختر من علمائهم جماعة ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه ويلعن الحق ويلتزم به أو يسحب طلبه الآن  .فأقر لجميع قوله , وسحب العضو طلبه "[146]. 

ومن خطواتهم في تشييع أهل السنة والجماعة إقامة أسبوع في كل سنة يسمى بأسبوع الوحدة ويبتدأ من 12 / ربيع أول إلى 17 / ربيع أول حيث يجتمع علماء السنة والشيعة في مكان واحد يتبادلون الخطب والمواعظ يتحدث علماء السنة عن الوحدة وحكم الفرقة ويتحدث علماء الشيعة عن معتقداتهم وأنه يجب على الجميع إتباع خميني والقول بولاية الفقيه ثم يرددون جميعاً ( جه شيعة جه سنة رهبر فقط خميني ) أي كل سنة وكل الشيعة قائدهم وقدوتهم فقط الخميني .[147] 

كيف يدعون المرونة والرغبة في التقارب وهم يرفضون رفضاً قطعاً أن يبنى للسنة مسجد واحد في طهران رغم كثرة السنة هناك ووجود السفارات الإسلامية وهي سنية ؟ 

وتقول المادة الثاني عشر ( الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنى عشري وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد ) [148] 

ثم إنه بعد دعوة التقريب هذه أخرجت طابع الروافض عشرات الكتب التي تطعن في القرآن والسنة والصحابة والأمة ... " وعلى رأس هذه الكتب كتاب الغدير " 

وما هذا الطريق للتقريب سوى مجرد " ستار " لنشر الرفض وأن يهاجمونا ونسكت , وينشروا باطلهم ونتوقف عن نشر الحق الذي معنا . 

اعترافهم بمفارقة جماعة المسلمين :  

نقل الخونساري مؤرخ أعلام الشيعة في كتاب " روضات الجنات " ( ص 579 طبعة طهران 1367 هـ ) في بيان الفرقة الناجية كلاماً يختلف فيه في مخالفة الروافض للفرق بما فيها أهل السنة والجماعة في الأصول والفروع حيث قال " إني اعتبرت جميع المذاهب ووقفت على أصولها وفروعها فوجدت من عدا الإمامية مشتركة في الأصول المعتبرة في الإيمان وإن اختلفوا في أشياء يتساوى إثباتها ونفيها بالنسبة إلى الإيمان ثم وجدت أن الطائفة الإمامية يخالفون الكل في أصولهم فلو كانت فرقة ممن عداهم ناجية لكان الكل ناجين فدل على أن الناجي هو الإمامية لا غير " .[149] 

وهم يكذبون بين الفترة والأخرى على مشاهير علماء السنة ويدعون أنهم يوافقونهم في الرأي ويناصرون بدعتهم , ومن أمثلة ذلك : 

صدور كتاب اسمه : " القول القيم فيما رويه ابن تيمية وابن القيم " وشاء الكاتب ألا يذكر اسمه . ولقد نقل في كتابه نصوصاً كثيرة عن كتب ابن تيمية وابن القيم تؤكد صحة عقيدة الشيعة وسلامة أصولهم علماً بأن هذين العالمين من المشهورين في القديم والحديث في تتبع شركيات [150]أكاذيب الرافضة, ولو اختار غيرهما لكان من الممكن أن ينطلي كذبه على الناس , وتتبعت نقوله فوجدته إما أن يلفقها تلفيقاً أو ينقل نصاً من نصوص الرافضة ساقه شيخ الإسلام أو تلميذه للرد عليه , فأخذ الكاتب الرافضي النص وترك الرد وهذه هي أخلاقهم .  

 

فكيف نتّحد _ معشر أهل السنة مع من يطعن في قرآننا , ويفسره على غير تأويله ويحرف الكلم عن مواضعه , ويزعم تنزيل كتب إلهية على الأئمة .. ويكفر الصديق والفاروق وأم المؤمنين وأحب نسائه إليه عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وغيرهم من أجلة الصحابة رضوان الله عليهم , ويرى الشرك توحيداً , والإمامة نبوة , والأئمة رسلاً أو آلهة , ويخادع المسلمين باسم التقية ؟ 

كيف يكون هناك تقريب بين السنة والشيعة ؟  

أهل السنة الذين حملوا القرآن الكريم , وحديث رسول الله e , وحفظ الله بهم الدين , وجاهدوا لإعلاء منارة الإسلام , وصنعوا تاريخه المجيد . 

والرافضة الذين يلعنون الصحابة , ويهدمون الدين , فإن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين نقلوا لنا الدين , فإذا طعن أحد فيهم فقد هدم الدين . 

كيف يكون تقريب بين أهل السنة والرافضة وهم يسبون الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم , وسبهم _ لو كان لهم عقول _ يفضي إلى الطعن بالرسول e . فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صهران لرسول الله e ووزيراه في حياته وضجيعاه بعد موته , ومن ينال هذه المنزلة ؟ وجاهدا مع رسول الله e في غزواته , ويكفي هذا الدليل لبطلان الرفض . 

وعثمان رضي الله عنه زوج ابنتين من بنات الرسول e , والله لا يختار لرسوله e إلا أفضل الأصهار والأصحاب . فكيف لم يبين الرسول e عداوة الخلفاء الثلاثة للإسلام , ويحذر منهم إن كانوا صادقين بزعمهم . 

بل سب هؤلاء الثلاثة طعن في علي رضي الله عنه , فقد بايع أبا بكر في المسجد راضياً , وزوج عمر ابنته أم كلثوم , وبايع عثمان مختاراً , وكان وزيراً لهم محباً ناصحاً رضي الله عنهم أجمعين . فهل يصاهر علي رضي الله عنه كافراً ؟ أو يبايع كافراً ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . 

ولعنهم معاوية رضي الله عنه طعن في الحسن رضي الله عنه الذي تنازل بالخلافة لمعاوية ابتغاء وجه الله, وقد وفق لذلك , ومدحه e على ذلك . فهل يتنازل سبط رسول الله e لكافر يحكم المسلمين؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . 

فإن قالوا : إن علياً والحسن كانا مكرهين فلا عقول لهم , فهذا تنقص لهما ما بعده تنقص . 

وكيف يلعنون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ؟ وقد نص الله تعالى في كتابه على أنها أم المؤمنين , قال تعالى ( النبي أولا بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ) . ولا شك بأن من يلعنها فليست له بأم , وأما من كانت له أماً فإنه لا يلعنها بل يحبها . 

والأدلة على بطلان مذهب الرافضة شرعاً وعقلاً لا تحصى إلا بمشقة . 

ألا فليدخلوا في الإسلام , وأما نحن أهل السنة فلن نقترب منهم شعرة واحدة , فهل أضر على الإسلام من اليهود والنصارى , ولا يثق بهم أبداً , وعلى المسلمين أن يقفوا لهم بالمرصاد . 

إن المنهج السليم للتقريب هو : 

أن يقوم علماء السنة بجهد كبير لنشر اعتقادهم وبيان صحته وتميزه عن مذاهب أهل البدع , وكشف مؤامرات الروافض وأكاذيبهم وما يستدلون به من كتب أهل السنة . 

وأن يصاحب ذلك كله بيان لانحرافات الروافض وكشف ضلالاتهم وأصولهم الفاسدة . 

وإذا كان الأمر كذلك , فكيف لم يدرك أهل السنة ودعاتهم هذه الخطة ويرفعوا أيديهم منها ؟ أنها حلم الضعفاء وحيلة الأقوياء كما عبرت عنها مجلة البيان . 

إنها الميوعة الفكرية داء الشعوب , وداء النفوس , وداء العقائد . 

والميوعة الفكرية هي : الباطل الذي يلبس ثوب الحق , وهي الموت الذي يتصنع الحياة . وهي السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً . 

والميوعة الفكرية : هي اللقاح الوبيل الذي يفتك بالمناعة الإنسانية , ويعطي المصابين به القابلية للعدوى بكل وباء فكري ومرض عقلي , وعاهة نفسية . 

والميوعة الفكرية : هي التي جعلتنا نرضى بأن نكون متهمين , نلتمس أسباب الدفاع عن أنفسنا , وعن عقائدنا . بدل أن نكون قضاة أقوياء نصدر أحكام الموت على العصابات الدخيلة , ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) . 

والميوعة الفكرية : هي التي خدعت لفيفاً من رجال العلم , وقادة الفكر فينا , ممن سقطوا في فخاخ دار التخريب , والكذب ( ألا في الفتنة سقطوا ) بعد أن تصوروا الأشياء على غير حقيقتها . وانطمست في أعينهم الحقائق بعد أن أضحوا ينظرون إليها بالمنظار الذي تصنعه لهم الدسائس والمؤامرات فراحوا ( ويا للأسف ) يمدون أيديهم النظيفة إلى أيد قذرة ملطخة ظناً منهم أنهم يستطيعون انتشالهم من حمأة السفاسف , ومن مصائد الشيطان [151]. 

وهذه الميوعة أدت بكثير من أهل السنة إلى حسن الظن بالرافضة وتقليل ما بيننا وبينهم من فروق , حسن الظن هذا هو الذي جعل دعاة التقارب في لقاء من لقاءاتهم في تركيا قبل مدة ليست طويلة يقدمون في الصلاة إماما رافضياً دليلاً على رغبتهم الشديدة في التقارب وعلى قناعتهم بأن الفروق بين الطائفتين ليست بذات المال , ولكن عالماً من علماء السنة لم يصل خلفه وتنحى جانباً حتى فرغوا من صلاتهم فصلى , ولما لاموه على ما فعله , قال لهم : لا أريد أن أبحث في الخلاف في الأصول كما تعتقدون , ولكن في مسألة صغيره في نظركم , قالوا : وما هي ؟ قال : هل تجوز صلاة بلا وضوء ؟ قالوا : لا , قال : فهل تجوز صلاة بوضوء ناقص ؟ قالوا : لا , قال: فاسألوا هذا الشيعي هل غسل رجليه , فتبين لهم أنه لم يغسلها كما هو في مذهبه , ثم بين لهم قول الرسول e " ويل للأعقاب من النار " , وبين لهم أن صلاته غير صحيحة ومن ثم فإمامته باطلة , فأعجم على الجميع ولم يرد أحد , وتبين لأهل السنة أن حسن ظنهم ليس في محله . 

حتى وصلت تلك الميوعة الفكرية إلى أن تختلط حتى الأديان في نظر بعض من يدعون مفكرين إسلاميين , فهذا الدكتور محمد عمارة يقول : " والفروق بين المسلمين وأهل الكتاب , ليست من الخطر بحيث تخرج الكتابيين من إطار الإيمان والتدين بالدين الإلهي " [152] ويؤكد أن العرب " المسلمين والنصارى واليهود متحدون في القومية والوطن والحضارة .. والدين "[153] . 


من أين نأخذ تاريخنا الإسلامي 

تاريخنا ليس كل ما ورد في بطون الكتب التاريخية وغيرها , سواء ما كتبه الثقات أو ما كتبه غيرهم , وإنما نأخذ تاريخنا مما صح منه دون ما هو كذب وافتراء . وهذه بعض الملحوظات حول هذا الموضوع المهم : 

 

  • يجب الاعتماد على ما صح من الروايات عن طريق الثقات وترك ما روج له من كثير من المتبدعة ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ومن الكتب المهمة في هذا الباب : العواصم من القواصم لأبي بكر ابن العربي , ومنها ما كتبه الاخباريون والمؤرخون الثقات كالطبري عساكر وابن الأثير وابن كثير ممن يورد الروايات باختلاف أنواعها مسندة على قاعدتهم " من أسند لك فقد حملك " مع التنبه إلى أن ما وصلنا من هذه التركة وصلنا لا على أنه تاريخنا بل على أنه مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا , وهذا يمكن إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع . أما ما كتبه كارل بروكلمان وجرجي زيدان وأمثالهما من النصارى والضالين فمتروك في الغالب . 

     
  • ويجب على المسلم الحذر من بدع المؤرخين , ويتأكد الحذر من المسعودي وما كتبه في " مروج الذهب " فإنه شيعي يروي الضلالات وكذلك الحذر من كتاب  " الأمامة والسياسة " والمنسوب زوراً لابن قتيبة . ( تعليق محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر ابن العربي ص 247 وما بعدها ) . 

     
  • وإذا بدأ المشتغلون بتاريخ الإسلام من أفاضل المسلمين في تمييز الأصيل عن الدخيل من سيرة الأفاضل من الصحابة ومن سار على نهجهم , فإنهم ستأخذهم الدهشة لما اخترعه إخوان أبي لؤلؤة وتلاميذ عبد الله بن سبأ , والمجوس الذين عجزوا عن مقاومة الإسلام وجهاً لوجه في قتال شريف , فادعوا الإسلام كذباً , ودخلوا قلعته مع جنوده خلسة , وقاتلوهم بسلاح ( التقية ) بعد أن حولوا مدلولها إلى النفاق , فأدخلوا في الإسلام ما ليس منه , وألصقوا بسيرة رجاله ما لم يكن فيها ولا من سجية أهلها .[ مقدمة محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم بأبي بكر ابن العربي ص6]. 
  • ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان : أحدهما طريق أهل الحديث في أن لا يقبلوا إلا الأخبار المسندة . 

     
  • ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان : أحدهما طريق أهل الحديث في أن لا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم ثم يستعرضون أسماء هؤلاء الأشخاص فيقبلون من صادقهم , ويضربون وجه الكذاب بكذبه . والطريق الثاني : طريق علماء التاريخ وهو أن يعرضوا كل خبر على سجايا من يخبر عنه , ويقارنوه بسيرته , وهل هو مما ينتظر وقوعه ممن نسب إليه ويلائم المعروف من سابقته وأخلاقه أم لا . وتمحيص تاريخنا يحتاج إلى هاتين الطريقتين معاً يقوم بهما علماء راسخون فيهما . [ تعليق محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر ابن العربي ص 139 ] . 

     
  • ثمة عشرات من النصوص التاريخية في غير كتب التاريخ مثل كتب الحديث والتفسير وطبقات التراجم وغيرها , يمكن أن تؤلف في مجموعها مع ما صح من الروايات في كتب التاريخ مادة تاريخية واسعة . 

     
  • إننا لسنا بحاجة إلى روايات وأحداث لا نثق بها ؛ ذلك أن المقصود من التاريخ تسجيل الخبرات الإنسانية الصحيحة للإفادة منها في تبصير الإنسان بنفسه وبماضيه وبموقعه من الحياة , وقبل ذلك بهدف الحياة وغايتها وأنها ليست عبأً كما يقول بعض أصحاب المذاهب الضالة . وإذا أردنا تعميق تجارب الإنسان فلابد أن يقوم ذلك ببيان حقائق التاريخ دون تزوير فلا معنى لإقحام روايات واهية أو موضوعة ؛ لأنها ستؤدي إلى ضياع الحقيقة المطلوب تبصير الإنسان بها . 

     
  • أن تساهل العلماء في الروايات التاريخية لا يعني أنهم يقبلون رواية كل شخص مهما بلغة درجة ضعفه ؛ لأن الفرق عندهم كبير بين رواية الخبر مع عزوه إلى رواية وبين قبول الخبر . فاشتراط العدالة في ناقل الحديث والخبر سواء , والذي تم التساهل به بعض الشيء هو ضبط الراوي وإتقانه لما يرويه فلا يشترطون في ناقل التاريخ مثل راوي الحديث . 

     
  • أن من أراد أن يكتب عن عصر من العصور فلابد أن يتصور حياة ذلك العصر بأخلاقياته وصفاته وعاداته , حتى يستطيع أن يصدر الأحكام عليه وتكون عنده القدرة على نقد الروايات والمتون التي بين يديه من خلال موافقتها أو معارضتها لحل ذلك العصر الذي قام بدراسته . فمن الخطأ لكاتب يعيش العصر الحديث عصر الأثرة والذاتية , وتقويم المصلحة الشخصية على مصادر الأمة وعدم الاعتبار بالأخلاق والمثل في سبيل الذات . فيقيس هذا العصر على عصر صدر الإسلام , عصر تصور المسؤولية ومراقبة الله تعالى في السر والعلن , والجهد والتعب وبذل النفس والمال والولد في سبيل نصر الأمة ومصلحتها , والإيثار على النفس مهما بلغة الحاجة . 

     
  • على المؤرخ أن لا يقتصر نظره على الخبر , بل لابد أن ينظر إلى أبعاده ؛ لأن الحكم على خبر بصحة أو ضعف قد يترتب عليه بالنظر إلى أبعاده إنكار حقائق, أو إثبات أشياء تنفيها الحقائق العلمية . وهذا منهج نقدي اهتم به علمائنا , وطبقوه على بعض الأخبار . يقول الإمام مالك _ رحمه الله تعالى _ في الذين يقدحون في الصحابة : " إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي e فلم يمكنهم ذلك , فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين " . وهذا القول من الإمام مالك انطلق من نظرته البعيدة إلى أبعاد الخبر فليس الأمر قدحاً في الصحابة فقط , بل إن هذا يجر في أبعاده إلى ما هو أخطر منه . 

    وهذا الإمام أبو زرعة الرازي _ رحمه الله تعالى _ يقول في الذين يطعنون في الصحابة رضي الله عنهم : " إذا رأيت الرجل ينتقص شيئا من أصحاب رسول الله e فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول e عبدنا حق , وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله e وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة , والجرح بهم أولى, وهم زنادقة " [ الكفاية للخطيب البغدادي 97 ] . 

    وبهذا المنظار نفسه انطلق ابن تيمية – رحمه الله تعالى – بقوله : " الطعن فيهم – أي في الصحابة – طعن في الدين " . والأمثلة في هذا كثيرة . [ انظر مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ليحيى بن إبراهيم اليحيى ص 8-15 ]  

     
  • لم تؤلف الكتب في جرح وتعديل رواة التاريخ كما وقع لرواة حديث رسول الله e , ولا شك أن الاهتمام بالسنة أولى والمقدم , والمقصود معظم الروايات التاريخية , وإلاّ فهناك رواة للتاريخ يمكن معرفة حالهم من كتب الجرح والتعديل . وإن البحث والتفتيش عن الرواة انتهى في القرون الأولى بعد أن اطمأن علماء الحديث إلى حفظ سنة رسول الله e , ولكن التاريخ حركة دائبة فكيف العمل بالأحداث التي جاءت بعد ؟ تتدخل عوامل كثيرة في الحدث غير الرواية , مما يساعد على التأكد أو الشك في الخبر , كالآثار التاريخية والعوامل الجغرافية ... إلخ . [ انظر : معالم حول كتابة التاريخ الإسلامي ( 5 ) مقال للشيخ محمد العبدة في مجلة البيان العدد الخامس ص 59 ] 

     
  • ومن أشهر كتب التاريخ " تاريخ الأمم والملوك " للإمام ابن جرير للطبري – رحمه الله تعالى – ويمتاز هذا الكتاب بمميزات منها : 
    • مؤلفه إمام من أئمة الإسلام وعالم من علمائه . 
    • عاش مؤلفه في زمن متقدم . 
    • غطّى تاريخه فترة زمنية طويلة , ابتدأ ذلك من بداية الخلق حتى سنة 302هـ . 
    • اهتمام المؤرخين به وقيام الكثيرين منهم بخدمته ما بين مذيل له ومختصر ومترجم . 
    • إن من جاء بعده من المؤرخين عيال عليه , وقد صرحوا بهذا في كتبهم . 
    • إنه لم يشترط الصحة في كتابه , وإنما ذكر الروايات وأسندها إلى رواتها تاركاً الحكم للقارئ على قاعدتهم " من أسند لك فقد حملك " , وقد أوضح ذلك في مقدمته بقوله : " فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين , مما يستنكروه قارئوه , أو يستشنعه سامعه, من أجل أنه لم يعرف لها وجها من الصحة ولا معنى في الحقيقة , فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا , وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا , وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدّي إلينا " [ مقدمة تاريخ الطبري 1/8 ] 

       
  • ومن أمثلة الوضاعين الذين روى لهم ابن جرير الطبري : أبو مخنف , وتشيعه محل إجماع السنة والشيعة , وقد روى له الطبري في تاريخه 587 رواية موزعة كما يلي : 144 رواية عن الخلفاء الراشدين , 41 رواية في خلافة معاوية , و 118 رواية في خلافة يزيد , 46 رواية في عهد مروان وابن الزبير , و 98 رواية في عهد عبد الملك وابن الزبير , و 107 روايات في خلافة عبد الملك بن مروان , وروايتان في خلافة الوليد بن عبد الملك , و 9 روايات في خلافة سليمان بن عبد الملك , و 3 روايات في خلافة عمر بن عبد العزيز , و 7 روايات في خلافة يزيد بن عبد الملك , و 3 روايات في خلافة هشام بن عبد الملك ,ورواية في خلافة الوليد بن يزيد , ورواية في خلافة يزيد بن الوليد و 7 روايات في خلافة مروان بن محمد . [ انظر روايات أبي مخنف في تاريخ الطبري ليحيى بن إبراهيم اليحيى ص 14-18 ]. 
  • ومن وسائل الغزو الفكري لتشويه التاريخ الإسلامي : 
    • اختلاق الأخبار وإبراز المثالب , وهذه أولى الوسائل التي استخدمها المستشرقون والمنصرون .  
    • استخدام المنهج العلماني ( اللاديني ) في البحث والنقد , وهذا من أخطر الوسائل وأعظم المنجزات التي حققها دعاة الغزو الفكري , وتمكنوا من تقريرها في كثير من جامعات العالم الإسلامي ومراكز البحث العلمي , ولهذا المنهج آثار سيئة على تراث المسلمين ودينهم , لأنه قائم على أسس من الفلسفة الوضعية التي تنكر الوحي والنبوات, ولا تقيم وزناً للمنهج الرباني , ومن عجب أن يدعي أصحابه الموضوعية والحياد العلمي. 
    • التفسير الخاطئ والفهم العجيب للنصوص , وهو راجع إما للجهل حقيقة , ولا يستبعد, وإما لتعمدهم ذلك لحقدهم وعدائهم للمسلمين . 
    • الاعتماد على مجرد الهوى في النقد والتحليل للحوادث التاريخية . 
    • عرض جانب من الحقيقة , ووضع الخبر في غير سياقه الصحيح . 
    • إضعاف دراسة التاريخ الإسلامي ومزاحمته بغيره . 
    • جعل واقع المسلمين في العصور المتأخرة الصورة الحقيقية لتعاليم الإسلام . 
    • إبراز دور الفرق الضالة وتضخيمه . [ انظر " وسائل الغزو الفكري في دراسة التاريخ " مقال لمحمد بن صامل السلمي نشر في مجلة البيان العدد العشرون ص 64-69, والعدد الحادي والعشرون ص 68-76 ] 

آفة الربا 

تعريفه : 

الربا في اللغة : الزيادة في أي شيء قال تعالى : ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) [154]. 

والربا في الشرع : هو الزيادة في أشياء مخصوصة بينتها السنة . 

حكمه :  

الربا محرم في جميع الشرائع السماوية , وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على تحريمه في الشريعة الإسلامية . 

أما الكتاب فقوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )[155] . 

وقوله تعالى :  

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين *فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) [156]  

وأما السنة _ فالأحاديث الدالة على تحريم الربا فيها كثيرة منها : 

    1. ما روى جابر _ رضي الله عنه _ قال : " لعن رسول الله _ e _ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء "[157] 
    2. عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي - e - قال : " اجتنبوا السبع الموبقات ", قالوا : يا رسول الله , وما هن ؟ قال : " الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " . [158]  

      و أجمعت الأمة على تحريمه . 

      أ- الحكمة من تحريم الربا ومضاره النفسية والاقتصادية وغيرها – ومن هذه المضار ما يلي : 

      1) الربا مخالف لما تدعو إليه الشريعة الإسلامية من الإيثار والتعاون ومقت الأثرة والأنانية . 

      2) الربا يؤدي إلى وجود طبقة مترفة تكسب بدون عمل , وهذا يؤدي إلى تضخم المال في يد هذه الطبقة والشريعة تأبى أن يكون المال دولة بين الأغنياء . 

      3) الإسلام يدعو المسلمين إلى العمل ليعيشوا ويكسبوا المهارات فترتفع معنوياتهم ويعلو شأنهم بين الأمم والربا يجعل المال دولة بين فئة معينة ولا يكون طريقاً للكسب . 

      4) يتدفق دخل ضخم إلى حوزة فئة قليلة في المجتمع هم المرابون وفي الجانب الآخر يظل سواد الشعب محدود الدخل , بل ينظر إلى هذه الفئة نظرة بغض وحقد . 

      5) توالي الأزمات الاقتصادية لتضخم الإنتاج من ناحية وانحسار الاستهلاك في طبقة معينة من جهة أخرى . 

      ب- حكمة تحريم الربا في المطعومات ما يأتي :  

      1) منع احتكار المطعومات لمن يملكونها . 

      2) إقامة المقياس السليم لقيم الأشياء فإن توسط النقود في المبادلة يجعل التبادل على أساس سليم يقل فيه الغبن . 

      3) ترويج التجارة وتسويق السلع بين عامة الناس . 

       

      أنواع الربا : 

      الربا نوعان : 

      الأول : ربا الفضل وهو أن يبيع الشيء الربوي بجنسه متفاضلاً حاضراً محاضر مثل بيع الذهب بالذهب متفاضلاً وبيع البر بالبر متفاضلاً . 

      ومثل لو اشترى إنسان عشرة كغ من التمر الجيد بـ 15 كغ من التمر الرديء فهو ربا الفضل لا يجوز وللابتعاد عن هذا النوع من الربا لابد من توافر شرطين هما : 

      الشرط الأول : المماثلة في القدر . 

      الشرط الثاني : القبض قبل التفرق . 

      فلو اشترى إنسان عشرة كغ من التمر بـ عشرة كغ من التمر أيضاً وقبضا قبل التفرق صح البيع ولا ربا لتوافر الشرطين . 

      أما عند اختلاف الأصناف كالبر بالتمر مثلاً فيشترط القبض فقط قبل التفرق لقوله - e - " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " .[159]. 

      الثاني : ربا النسيئة من النسأ بمعنى التأخير وهو أن يبيع ربوي بجنسه مؤجلاً كبيع 10 كغ من البر بـ 10 كغ من البر بعد سنة . 

      أو أن يبيع ربوي بغير جنسه مؤجلاً وليس أحد العوضين نقداً كبيع 10 كغ من البر بـ 10 كغ من الشعير بعد سنة . 

      ومن ربا النسيئة أن يقترض من بنك عشرة آلاف دولار باثني عشر ألف دولار إلى سنة . ومثله أن يؤخر دينه ويزيده فيه , وكلما أخره زاده حتى تصير المائة عنده آلافاً مؤلفة . 

      وأصول الأشياء التي يدخل فيها الربا ستة هي : 

      الذهب – الفضة – القمح – الشعير – التمر – الملح , لقول رسول الله - e- : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر وبالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يداً بيد , فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد".[160]  

      ويقاس على هذه الأصناف كل ما اتفق معها في المعنى والعلة كالأرز والسكر والبن . ومما سبق نعلم أنه لا ربا مع الحلول واختلاف الأجناس فلا يدخل الربا بيعاً اختلف فيه الثمن والمثمن إلا أن يكون أحدهما نسيئة . ويستثنى من ذلك ما إذا كان أحد العوضين الذهب والفضة فيجوز ولو كان أحدهما نسيئة . 

      ولا يدخل الربا الفواكه والخضراوات لأنها لا تدخر كما أنها ليست من الأغذية الأساسية . 

       

      كيفية جريان الربا في المعاملات الحديثة 

      لقد تعددت المعاملات وتنوعت في هذا العصر واتسعت دائرة التعامل بين المسلمين حتى شملت تعامل المسلمين مع غير المسلمين في سائر أنحاء المعمورة مما كان سبباً في التعامل في أنواع من البيوع المحرمة لجهالة المبيع , أو لاشتراط شروط لا يجيزها الإسلام , أو لبيع الجنس بجنسه متفاضلاً , أو بيع غير الموجود ونحو ذلك . 

      ولا شك أن المسلم مأمور بالاحتياط لدينه وأن يكون تعامله خالياً من الربا والمتشابه من الأمور المحرمة "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام "[161]. 

      القرض بفائدة : 

      من المعاملات المحرمة القرض بفائدة فهو من أنواع الربا المحرم لأنه بيع جنس بجنسه متفاضلاً وذلك مثل ما يفعله بعض الناس من الاقتراض من ( البنوك ) المصارف على أساس زيادة عشرة في المائة أو أقل أو أكثر , فهذا لا يجوز شرعاً لأنه بيع للجنس بجنسه متفاضلاً ونسيئة فيجتمع فيه ربا الفضل والنسيئة معاً وهذا محرم , قال رسول الله - e - : " الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا " .[162] 

      ومثل هذا القرض بفائدة في التحريم الإيداع بفائدة ؛ وذلك كأن يودع إنسان مبلغاً في أحد البنوك على أساس فائدة خمسة في المائة مثلاً أو أقل أو أكثر فهو محرم لأنه بيع للجنس بجنسه متفاضلاً.  

      القرض الحسن : 

      المقصود بالقرض الحسن دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله . 

      حكمه : 

      القرض الحسن مندوب إليه بالنسبة للمقرض ومباح بالنسبة للمقترض . 

      قال تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم ) .[163] 

      وقال رسول الله - e - : " من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة , ومن يسر عن معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة " .[164] 

      والإسلام ندب إلى القرض الحسن لأنه من عقود الإرفاق بالناس ومن عمل الخير الذي حث عليه الإسلام ففيه تفريج للمسلمين وقضاء لحاجتهم وعون لهم على نوائب الحياة , مع ما فيه من تآلف وتآزر المسلمين وتعاونهم وتكاتف أفراد المجتمع بعضهم مع بعض . 

      وعلى المقترض أن يرد ما استقرضه بدون مماطلة لأنه رد للإحسان ووفاء بالجميل وإبراء للذمة فإن رد أحسن مما استقر فذلك جائز إن كان بلا مشارطة لحديث أبي رافع أن رسول الله - e - استلف من رجل بَكراً فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة فرجع إليه أبو رافع فقال : لم أجد فيها إلاّ خياراً رباعياً [165]فقال : أعطه إياه إن خيار الناس أحسنهم قضاء".[166] 

      والإسلام يمقت من أخذ أموال الناس ولم يردها قال رسول الله - e - : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه , ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " .[167] 

      وعلى المقرض أن يحسن النية وأن يكون قصده فعل الخير بأخيه المسلم ابتغاء الثواب من الله تعالى, فإن كان القرض لغرض دنيوي فقد ضيع الأجر على نفسه يوم القيامة . 

      وكل قرض جر منفعة فهو محرم إذا كان ذلك بتواطؤ بين المقترض والمقرض لأن ذلك يخالف الحكمة من مشروعية القرض . 

      الصرف : 

      الصرف بيع نقد بنقد سواء اتحد الجنس أو اختلف . 

      وهو جائز لقول رسول الله _ e _ : " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد " [168]. 

      والحكمة من إباحة الصرف هي الرفق بالمسلمين وإتاحة الفرصة لهم في استبدال النقود والعملات, ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه تبادل العملات والصفقات التجارية بين الناس . 

      شرطه : 

      يشترط لصحة الصرف التقابض في المجلس لقول رسولا لله _ e _ : " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد " . 

      فإن افترق المتصارفان قبل القبض بطل الصرف . 

      مما تقدم نعلم أنه يجوز بيع الذهب بالذهب إذا اتحد في الوزن وتم التقابض في المجلس وكذلك الفضة بالفضة , قال رسول الله _ e _ : " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا[169] بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز" .[170] 

       أما إذا اختلف الجنسان كبيع ذهب بفضة فيجوز التفاضل بشرط التقابض في المجلس قال رسول الله - e - : " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " . [171] 

      الأوراق النقدية : 

      هي قطع من ورق خاص تحمل كتابات خاصة يقابلها في العادة رصيد معدني أو ثمني وتصدر إما من الحكومة , أو من هيئة تجيز لها الحكومة إصدارها ليتداولها الناس عملة بدلاً من العملات المعدنية . 

      وهذه الأوراق النقدية أصبحت – باعتماد السلطات لها وجريان التعامل بها – أثمان الأشياء ورؤوس الأموال وبها يتم البيع والشراء وجميع التعامل , ولها قوة الذهب والفضة في القوة الشرائية وفي قضاء الحاجات وتيسير التبادل وتحقيق المكاسب والأرباح , فهي بهذا الاعتبار أموال نامية شأنها شأن الذهب والفضة فهي تدفع ثمناً في جميع المعاوضات ورد الديون فلها وظائف النقود الشرعية وأهميتها . 

      فينبني على هذا جريان الربا فيها ووجوب زكاتها وكل ما يجري على الذهب والفضة لأنها ذات قيمة شرائية ثمينة كالذهب والفضة . 

      الأسهم والسندات المالية :  

      السهم حصة في رأس مال الشركة ويعدّ جزءاً من أجزاء متساوية لرأس المال . 

      والسند تعهد مكتوب من البنك ( المصرف ) أو الحكومة لحامله بسداد مبلغ مقدر من قرض في تاريخ معين . 

      وبين السهم والسند فروق منها : 
  1. السهم يمثل جزءاً من رأس مال الشركة والسند يمثل جزءاً من قرض على الشركة . 
  2. السهم ينتج جزءاً من ربح الشركة يزيد أو ينقص تبعاً لنجاح الشركة وزيادة ربحها أو نقصه ويتحمل قسطه من الخسارة , أما السند فينتج فائدة محدودة عن القرض الذي يمثله فقط . 
  3. حامل السهم يعدّ مالكاً لجزء من الشركة وحامل السند يعدّ مقرضاً أو دائناً للشركة. 
  4. السهم لا يسدد إلا عند تصفية الشركة أما السند فله وقت محدود لسداده . 
  5. عند تصفية الشركة تكون الأولوية لحامل السند لأنه يمثل جزءاً من ديون الشركة  . 
  6. يحق لحامل السهم حضور مجلس الجمعية العمومية بخلاف حامل السند . 

    ولكل من السهم والسند قيمة اسمية وهي قيمته المقدرة عند إصداره , وقيمة سوقية تتحد في سوق الأوراق المالية , وكل منها قابل للتعامل والتداول وتتأثر الأسواق تبعاً لزيادة العرض والطلب , وتبعاً لنجاح الشركة ومقدار الربح الحقيقي للأسهم والفائدة الحقيقية للسندات . 

    حكم بيع الأسهم والسندات : 

    بيع الأسهم وشرائها والتعامل بها جائز لا محظور فيه ما لم يكن عمل الشركة التي تكونت من مجموع الأسهم مشتملاً على محرم كبيع الخمر وصناعتها أو التعامل بالفوائد الربوية ونحو ذلك . 

    أما بيع السندات فحرام لأن كسبها حرام لاشتماله على فوائد ربوية محرمة . أما إذا لم يكن فيه فوائد ربوية وكان مجرد تعهد بالتزام دفع المبلغ فهو تعهد خاص لشخص خاص . 

    الحوالات البنكية ( المصرفية ) : 

    تقوم المصارف بتحويل النقود من مكان إلى آخر خدمة لعملائها وأداء لمهمتها وتتقاضى على ذلك أجراً . 

    وطريقة التحويل أنواع مختلفة منها ما ينطبق عليه مسمى الحوالة الشرعية فيشترط فيه ما يشترط في الحوالة , ومنها ما ينطبق عليه مسمى الوكالة والإنابة أو الإذن في الاستيفاء . 

    وهذا التحويل إما أن يكون عن طريق تحويل عملة من مكان إلى آخر , أو أن يكون عن طريق تحويل عملة وأخذ عملة أخرى بدلاً منها من المكان الآخر . 

    أما الأول : وهو تحويل عمله من مكان إلى آخر عن طريق أحد المصارف وأخذ نفس العملة من المكان الآخر مثل أن يحول الإنسان عن طريق مصرف مبلغ ألف دولار من مدينة ( أ ) إلى مدينة (ب) في نفس الدولة ويأخذ نفس المبلغ من أحد فروع المصرف أو وكلائه في مدينة (ب) ؛ فهذا العمل لا بأس به وما يأخذه المصرف على هذا العمل من أجرة مصاريف أو أجرة هاتف أو برق إنما هو مقابل التكليف . 

     أما الثاني : وهو تحويل عملة من مكان وأخذ عملة أخرى بدلاً منها من المكان الآخر مثل أن يحول إنسان مبلغ ألف دولار من مدينة ( أ ) في دولة ما ليأخذ منه ثلاثمائة جنيه إسترليني من مدينة (ب) في دولة أخرى , فهذه المعاملة مركبة من صرف وتحويل , ولا يجوز الصرف إلا إذا كان يداً بيد , فإذا كان المصرف يأخذ الدولارات ويعطي شيكاً بالجنيهات في الحال فعلى اعتبار أن الشيك بمنزلة الجنيهات باعتبار أنه مصدق ومضمون فلا بأس في ذلك . 

    أما إذا كان المصرف يعطي صكاً بالجنيهات على أن يستلم المبلغ من البلد الآخر – الذي هو مدينة (ب) في هذا المثال – فهذا غير جائز لأن الصرف لا يجوز إلا إذا كان يداً بيد لقول رسول الله - e - : " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " [172]. وهذا على اعتبار أن الدولارات والجنيهات الإسترلينية أجناس مختلفة . 

 

المحتوى 

 

افتـتاحيـة .................................................................... أ 

1- تعريف الثقافة .............................................................. 1 

2- اللسان العربي والقرآن الكريم ................................................ 4 

3- التوحيد ...................................................................11 

4- أسباب الانحراف عن العقيدة الصحيحة .................................... 17 

5- حجج القبوريين والرد عليهم .............................................. 26  

6- منهج التلقي عند أهل السنة والجماعة ....................................... 32 

7- خصائص أهل السنة والجماعة .............................................. 45 

8- النقل والعقل .............................................................. 56 

9- التكفير ................................................................... 60 

10- البدعة .................................................................. 67 

11- كتب التفسير واتجاهاتها .................................................. 79 

12- الموقف الصحيح مما جرى بين الصحابة الكرام ............................. 88 

13- الطريق السليم للحكم على الآخرين ....................................... 98 

14- الافتراق والاختلاف وأسباب نشأة الفرق ................................ 104 

15- الخلاف الفقهي ........................................................ 110 

16- الخلاف الحركي ....................................................... 118 

17- حقيقة دعوة التقارب بين الفرق والأديان ................................ 126 

18- ما هو تاريخنا ؟ ........................................................ 138 

19- آفة الربا ............................................................... 143 

المحتوى ...................................................................... 152 

 



[1]  هذه هي خطبة الحاجة التي كان رسول الله  r يرشد أصحابه رضي الله عنهم إلى قولها بين يدي كلامهم في أمور دينهم أو دنياهم ، من خطبة نكاح أو جمعة أو درس . . .  

[2] من حديث لجابر رضي الله عنه قال فيه : إن النبي  rيقول فيه إذا خطب . كما في مسلم والنسائي . ( للفائدة أنظر رسالة بعنوان " خطبة الحاجة " للشيخ ناصر الدين الألباني ) .  

  [3]انظر : مجلة البيان ، العدد 126 ، صفر 1419 ، ص32  

[4] في الرد على الرافضة في هذا المجال ، انظر : منهج الاستدلال على مسائل العقيدة عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي بن حسن 1 / 65 – 71 وغيره.  

[5] ولو أخذنا خطبة الجمعة مثلا فإن مذاهب الأئمة فيها كما يلي :  

المالكية : يشترط أن تكون الخطبة بالعربية ولو كان القوم عجما لا يعرفونها فإن لم يوجد بينهم من يحسنها سقطت عنهم الجمعة .  

الشافعية : يشترط أن تكون أركان الخطبتين بالعربية فلا يكفي غيرها متى أمكن تعلمها .  

الحنابلة : لا تصح بغير العربية لقادر لكن لا بد من قراءة الآية بالعربية .  

الحنيفية : تجوز الخطبة بغير العربية ولو لقادر عليها سواء كان القوم عربا أو عجما .  

[6] الرسالة للأمام الشافعي 50 

[7] الاعتصام ( بتصرف) 2 / 297 

[8] الاعتصام ( بتصرف) 2 / 297  

[9] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 22 / 252 

[10] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 32 / 252 

[11] اقتضاء الصراط المستقيم لأبن تيميه 203 

[12] أنظر بعض هذه الأقوال أيضا في : ندوة مناهج اللغة العربية في التعليم ما قبل الجامعي ، ص 8 - 9 

[13] انظر : مجلة البحوث الإسلامية العدد الأول ، ص ص 91- 101 

[14] انظر : كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ، والتوحيد أولا للدكتور ناصر بن سليمان العمر (كتيب) ، وتوحيد الألوهية لمحمد بن ابراهيم الحمد (كتيب) . . .  

[15] انظر : " كتاب التوحيد " للصف الأول الثانوي للشيخ صالح بن فوزان الفوزان 12-15 ،  

الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة لعلي بن بخيت الزهراني .  

نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد العبد اللطليف ، النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين للشيخ حمد بن ناصر آل معمر ، ورسائل في العقيدة لمحمد بن لإبراهيم الحمد . . . وغيرها .  

[16] وقفات تربوية في ضوء القرآن المريم لعبد العزيز بن ناصر الجليل ص 39 

[17] انظر إعلام الموقعين لابن القيم 1 / 5 

[18] مجموع الفتاوي 27 / 162 

[19] انظر : الانحرافات العقدية والعملية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة لعلي بن بخيت الزهراني 271 - 274 

[20] انظر : الانحرافات العقدية والعملية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة لعلي بن بخيت الزهراني .  

[21] الانحرافات العقدية والعملية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة لعلي بن بخيت الزهراني 270 

[22] للاستزادة انظر : معالم الانطلاقة الكبرى لمحمد عبد الهادي المصري ، ومقدمة في أسباب اختلاف المسلمين لمحمد العبده وطارق عبد الحليم ، ووجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجمال بن أحمد بشير بادي ، ومنهج الاستدلال على مناهج الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي برجس ، ونواقض الإيمان القولية والعملية للشيخ عبد العزيز العبد اللطيف ، وعقيدة أهل السنة والجماعة لمحمد بن إبراهيم الحمد ، وشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم لأبي القاسم هبة الله اللالكائي ، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للشيخ محمد الصالح العثيمين  وغيرها .  

[23] وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجمال بن أحمد بشير بادي ص 262 

[24] المائدة 48 

[25] الحشر 7 

[26] النساء 65 

[27] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1 / 365 

[28] رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، وقال صحيح . المشكاة 1 / 58 .  

[29] منزلة السنة في الإسلام للألباني 15 – 16  

[30] ملخص من منزلة السنة في التشريع الإسلامي 42 - 48 

[31] النحل 89  

[32] الأنعام 38 

[33] أوائل سورة النجم . 

[34] متفق عليه . مشكاة المصابيح ص 52 

[35] صحيح , صحيح الجامع رقم 1196 . 

[36] رواه مسلم . المشكاة ص 1057  

[37] صحيح رواه الترمذي . المشكاة ص 61 ( صحيح الجامع 1848 ) وأما زيادة " فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " فضعيف , ضعيف الجامع 2896  

[38] الكشاف للزمخشري 1 / 563 

[39] متفق عليه . صحيح الجامع . رقم 3295 . 

[40] رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح . المشكاة ص 58 . 

[41] البقرة 65  

[42] المائدة 14 

[43] انظر : منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة 1 / 221 وما بعدها   

[44] وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجما بن أحمد بشير بادي ص 264 

[45] أعلام الموقعين لابن القيم 4 / 139 

[46] انظر أعلام الموقعين لابن القيم 4 / 118 . نقلا عن : منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي بن حسن 2 / 506 

[47] انظر اعتقاد أهل السنة والجماعة لمحمد رشاد خليل 238 , 239 . 

[48] وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجما بن أحمد بشير بادي ص 263 

[49] مجموع الفتاوى 6 / 394 

[50] جامع بيان العلم 2 / 118 

[51] منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة 1 / 571 

[52] تفسير ابن كثير 3 / 422 

[53] صحيح : صحيح الجامع رقم 6764 

[54] صحيح متواتر : صحيح الجامع رقم 6519 

[55] صحيح : صحيح الجامع رقم 6199 

[56] الموافقات 4 / 294 

[57] انظر : منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة 1 / 311 - 348 

[58] انظر : منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة 1 / 235 

[59] شرح الطحاوية 168 

[60] رواه البخاري 

[61] انظر : عقيدة أهل السنة والجماعة مفهومها , خصائصها , خصائص أهلها لمحمد بن إبراهيم الحمد ( بتصرف ) 

[62] للاستزادة , انظر : درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية , ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي بن حسين ..... 

[63] درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ج1 ص79 

[64] ملخص أسماء الفرق من أسماء الله وصفاته : 

  1. إثبات أسماء الله وصفاته دون الدخول في كيفيتها وتشبيهها : أهل السنة والجماعة. 
  2. إثبات أسماء الله وصفاته وجعلها كصفات المخلوقين :المشبهة والممثلة . 
  3. إثبات أسماء الله وبعض صفاته كالأشاعرة. 
  4. إثبات أسماء الله و نفي صفاته : المعتزلة والرافضة . 
  5. نفي أسماء الله ونفي صفاته :غلاة الجهمية والباطنية والفلاسفة. 

[65] شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص219 

[66] درء تعارض العقل والنقل لأبن تيمية 1 / 88 

[67] انظر :نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف, وقاعدة في جمع كلمة المسلمين لابن تيمية ,وحد المرتد للدكتور محمد أبو حمدان ,وقواعد وضوابط التطفير والعذر بالجهل لخالد فوزي عبد الحميد , وفتنة التكفير للمحدث محمد بن ناصر الدين الألباني ( مع تعليقات للشيخين :عبد العزيز بن باز ومحمد العثيمين ) يليها فتاوي حول التكفير للشيخين محمد العثيمين وعبد الله الجبرين , والقول المبين في حكم تكفير المؤمنين للشيخ أبو بكر جابر الجزائري , والإكفار والتشهير ضوابط ومحاذير لعبد الله بن محمد الجوعي ( راجعه وعلق عليه الشيخ عبد الله الجبرين ) ....وغيرها . 

[68] للاستزادة انظر : مجموع الفتاوى لابن تيمية ج3 , معالم الانطلاقة الكبرى لمحمد المصري , والبدعة وأثرها السيئ على المجتمع لسليم الهلالي , والاعتصام للشاطبي , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : أصوله وضوابطه وآدابه لخالد بن عثمان السبت , التحذير من البدع للشيخ عبد العزيز بن باز , وتذكرة المسلمين بإتباع سيد المسلمين للشيخ عبد الله الجار الله , والأمر بالإتباع والنهي عن الابتداع لجلال الدين السيوطي , والانحرافات العقدية و العلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة لعلي بن بخيت الزهراني , ........وغيرها . 

[69] صحيح : صحيح الجامع رقم 5970 .  

[70] صحيح : صحيح الجامع رقم 6398 .  

[71] جامع العلوم والحكم 52 .  

[72] صحيح : صحيح الجامع رقم 1353 . 

[73] فتح الباري 13 /4  

[74] الاعتصام 1 /79 

[75] مجموع الفتاوى 11 /472 

[76] الاعتصام 1 /49 

[77] الاعتصام 1 /46-53 

[78] البدعة وأثرها أتسيء على الأمة 22 -23 

[79] صحيح: صحيح الجامع رقم 6305 . 

[80] البدعة وأثرها أتسيء على الأمة 24-25 

[81] لاستزادة انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ج3, معالم الانطلاقة الكبرى لمحمد المصري, والبدعة وأثرها أتسيء على المجتمع لسليم الهلالي . 

[82] رياض الصالحين 103 

[83] صحيح: صحيح الجامع 6517 

[84] المشكاة 1 /61 

[85] مدارج السالكين لابن القيم 1 /22, والاعتصام 1 /82 

[86] صحيح : صحيح الجامع 8182 . 

[87]  جامع العلوم والحكم 52 . 

[88] سنن الدارمي باب كراهية الأخذ بالرأي . 

[89] الاعتصام 1 / 132 . 

[90] الاعتصام 1 / 82 . 

[91] الإبداع في خطر الشرع وخطر الإبداع للشيخ ابن عثيمين ( بتصرف ) 21 _ 24 . 

[92]  انظر : القول المختصر المبين في مناهج المفسرين لأبي عبد الله محمد الحمود النجدي  

التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي . 

الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد حسين الذهبي . 

المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات لمحمد بن عبد الرحمن المغراوي . 

مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية . 

أصول في التفسير للشيخ محمد بن صالح العثيمين . 

منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد بن عبد الرحمن الرومي ...وغيرها .    

[93] أصول في التفسير للشيخ محمد بن صالح العثيمين 28. 

[94] من محاضرة مسجلة للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ . 

[95] الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد حسين الذهبي 7 

[96] القول المختصر المبين في مناهج المفسرين لأبي عبد الله محمد الحمود النجدي 5 

[97]  لماذا اللغة العربية للدكتور عدنان النحوي  42 - 43 

[98] _انظر العواصم من القواصم 247 وما بعدها . 

[99] _وفي هذا الحديث دليل صريح على تصويب موقف الحسن رضي الله عنه ومدح له , كما أنّ فيه تلميحا بتخطئة موقف الحسين رضي الله عنه , والحسن أيضا سيّد , قال صلى الله عليه وسلم : (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ) . 

[100] العواصم من القواصم 63-110 

[101] اعتقاد أهل السنة في الصحابة لمحمد بن عبد الله الوهيبي 87-90  

[102] مغني المحتاج 4/136 

[103] نواقض الإيمان القولية والعملية للشيخ الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف 428 

[104] نواقض الإيمان القولية والعملية للشيخ الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف 428 

[105] الكفاية للخطيب البغدادي 97 

[106] انظر : منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين لهشام بن إسماعيل الصيني . 

منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم لأحمد بن عبد الرحمن الصويان . 

منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف لربيع بن هادي المدخلي . 

تلقي الأخبار وروايتها لأحمد بن عبد الرحمن الصويان . 

ضوابط رئيسية في تقويم الجماعات الإسلامية للدكتور زيد بن عبد الكريم الزيد . 

قواعد الاعتدال لمن أراد تقويم الجماعات والرجال لعقيل بن محمد المقطري . 

قواعد في التعامل مع العلماء لعبد الرحمن بن معلا اللويحق. 

تصنيف الناس بين الظن واليقين لبكر بن عبد الله أبو زيد . 

وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم لعبد العزيز بن ناصر الجليل . 

الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني . 

[107] وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم لعبد العزيز بن ناصر الجليل ص31 

[108] وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم لعبد العزيز بن ناصر الجليل ص35 

[109] الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم لعبد القاهر بن طاهر البغدادي , والملل والنحل لأبي الفتح الشهر ستاني , ودراسات في الفرق لصابر طعيمة , ودراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين للدكتور أحمد محمد أحمد جلي , وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لعبد الله بن محمد الغنيمان , ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي بن حسن , ومقدمات في الأهواء والافتراق للدكتور ناصر العمر .  

[110] انظر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين للدكتور أحمد محمد أحمد جلي ص 1 وما بعدها .  

[111] أنظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لعبد الله بن محمد الغنيمان , ص9 وما بعدها . 

[112] منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة 2/507-508 

[113] انظر : نواقض الإيمان القولية والعملية 231 

[114] انظر : الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه للشيخ محمد بن عثيمين . 

اختلاف العلماء لأبي عبد الله محمد بن الروزي . 

[115] انظر مجلة " البيان " العدد 120 صص 22 _ 23 بتصرف يسير .  

[116] انظر : الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه للشيخ محمد بن عثيمين . 

[117] الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وأثرهما في حياة الأمة للشيخ علي بن بخيت الزهراني 693- 696. 

[118] ولم تنقطع عادة صلاة كل أصحاب مذهب من المذاهب الأربعة خلف إمامهم فقط إلا في عام 1343ه حينما أمر الملك عبد العزيز بإبطالها . 

[119] انظر : الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي لعلي بن حسن بن علي بن عبد الحميد . 

حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية لبكر بن عبد الله أبو زيد . 

دعوة إلي التفكير المنهجي في ضوء منهج أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله بن ضيف الله الرحيلي . 

فقه الخلاف مدخل إلى وحدة العمل الإسلامي لجمال سلطان . 

[120] الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي لعلي بن حسن بن علي بن عبد الحميد 105 - 106 

* انظر للمزيد : مختصر منهاج السنة لابن تيمية , ومسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة ناصر بن عبد الله القفاري , والخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب , والإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان لبكر بن عبد الله أبو زيد , واقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم للشيخ الإسلام ابن تيمية ... الخ 

[122] تبديد الظلام وتنبيه النيام إلى خطر التشييع على المسلمين والإسلام لإبراهيم الجبهان 20 . 

2 أوائل المقالات 98 المطبعة الحيدرية , النجف , وقدم الكتاب عالمهم المعاصر المسمى عندهم بشيخ الإسلام الزنجاني . نقلاً عن وجاء دور المجوس لعبد الله محمد الغريب 168. 

3 أوائل المقالات 51 . نقلاً عن وجاء دور المجوس لعبد الله الغريب 168 _ 169 . 

 

 

[125] قراءة العقول للمجلسي 2/536 . نقلاً عن وجاء دور المجوس لعبد الله محمد الغريب 168 . 

[126] الدستور 20 . 

[127] تبديد الظلام وتنبيه النيام إلى خطر التشيع على المسلمين والإسلام لإبراهيم الجبهان 27 . 

[128] البداية والنهاية 8 : 233 . 

[129] منهاج السنة 1/ 37 . 

[130] شرح السنة 1 / 229 . 

[131] منهاج السنة 1 / 38 . 

[132] منهاج السنة 1 / 38 . 

[133] المنتقى من منهاج الاعتدال 480 . 

[134] مجموع فتاوى ابن تيمية 3/356-57 – الدستور 20 

[135] مجموع فتاوى ابن تيمية 3/356 _ 57 _ الدستور20 . 

[136] اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية 2 / 823 _ 824 . 

[137] انظر فتاوى في العقيدة : فتاوى مهمة لعموم الأمة لسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز , وفضيلة الشيخ محمد العثيمين , جمع وإعداد إبراهيم بن عثمان الفارس , ص 145 .  

[138] تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4 / 181 . 

[139] الفصل في الملل والنحل 2 / 78 و 4 / 182 . 

[140] مدارج السالكين 1 / 362 . 

[141] مغني المحتاج 4 / 136 . 

[142] انظر الخطوط العريضة 8 . 

[143] مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري 177 . 

[144] مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري 279 _ 280 . 

[145] الحكومة الإسلامية للخميني 35         27 _ أضواء البيان /1 ض , ظ . 

 

[147] أحوال السنة في إيران لعبد الله محمد الغريب 182 . 

[148] الدستور 23 نقلاً  عن : مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري 177 . 

[149] انظر الخطوط العريضة 34 

[150] وجاء دور المجوس لعبد الله محمد الغريب 132 _ 133 . 

[151] تبديد الظلام وتنبيه النيام إلى خطر التشيع على المسلمين والإسلام لإبراهيم الجبهان 19 _ 20 . 

[152] تجديد الفكر الإسلامي لمحمد عمارة 82 . نقلاً عن غزو من الداخل لجمال سلطان 65 . 

[153] تجديد الفكر الإسلامي لمحمد عمارة 85 . نقلاً عن غزو من الداخل لجمال سلطان 65133 .  

[154] سورة الحج آية ( 5 ) . 

[155] سورة البقرة آية ( 275 ) . 

[156] سورة البقرة الآيتان ( 278 , 279 ) . 

[157] أخرجه مسلم في صحيحه ج 3 ص 1219  

[158] أخرجه البخاري في صحيحه ج3 ص 195 . 

[159] أخرجه مسلم في صحيحه ج3 ص 1211 

[160] أخرجه مسلم في صحيحه ج 3 ص 1211 . 

[161] هذا جزء من حديث – أخرجه مسلم في صحيحه ج3 ص 1219 . 

[162] أخرجه مسلم في صحيحه ج3 ص1212 . 

[163] سورة الحديد آية (11) . 

[164] أخرجه مسلم في صحيحه ج4 ص2074 . 

[165] البكر الفتى من الإبل . والرباعي من الإبل ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة . 

[166] أخرجه مسلم في صحيحه ج3 ص1224 . 

[167] أخرجه البخاري في صحيحه ج3 ص82 . 

[168] رواه الترمذي ج3 ص 541 . 

[169] معنى ولا تشفوا أي لا تفضلوا والشف الزيادة ويطلق - أيضاً – على النقصان فهو من الأضداد . 

[170] أخرجه مسلم في صحيحه ج3 ص1208 . 

[171] المصدر السابق . 

[172] أخرجه مسلم في صحيحه ج3 ص1208 . 



الدكتور عادل عامر

دكتور القانون العام والاقتصاد

عضو المجلس الأعلى لحقوق الانسان

مدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية

مستشار وعضو مجلس الإدارة بالمعهد العربي الأوربي  للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا

مستشار الهيئة العليا للشؤون القانونية والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الأزهر والصوفية

مستشار تحكيم دولي         محكم دولي معتمد      خبير في جرائم امن المعلومات

نائب رئيس لجنة تقصي الحقائق بالمركز المصري الدولي  لحقوق الانسان والتنمية

نائب رئيس لجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة سابقا

عضو استشاري بالمركز الأعلى للتدريب واعداد القادة

عضو منظمة التجارة الأوروبية

عضو لجنة مكافحة الفساد بالمجلس الأعلى لحقوق الانسان

محاضر دولي في حقوق الانسان

01118984318

01555926548

01024975371

01277691834






عن الكاتب

Sayed saber

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مجلتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المجلة السريع ليصلك جديد المجلة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على زر الميكروفون المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

الطريق الآخر لحياة أفضل