أستميحكم عذراً هناك جزء من المادة التي أنشرها غير مطبوع، كنت أضفته عام 1997 كجزء من رسالة ماجستير كنت أعددتها ولم يتم مناقشتها مثل غيرها، ولرسالة الماجستير والدكتور المشرف عليها قصة جميلة ومفيدة ولها علاقة بموضوع علاقتنا بالغرب والعدو الصهيوني، سبق أن نشرتها مرتان كمقالات، وهما مقالتين وفي إحدى المرات أضفت لها مقالة طويلة من خلال التجربة الفلسطينية، أنشرها هنا سائلاً الله تعالى أن أتمكن من طباعة الجزء غير المطبوع لأن طباعتي بطيئة:
مع المفاوضات وضد التنازلات
مصطفى إنشاصي
من خلال تجربتي الشخصية سأكتب عدة حلقات منفصلة تناقش الواقع الفلسطيني والعربي في علاقاته مع الغرب والعدو الصهيوني، توضح أن كثير من جيل اقادة الذين شاخوا الآن، ممَنْ يقودون بعض الفصائل الفلسطينية على الرغم من مرور عقود لهم في العمل السياسي إلا أنهم مازالوا مراهقي ساسة، وسنة أولى سياسة!
عام 1997 كنت أدرس في مرحلة الماجستير في "جامعة إفريقيا العالمية" بالسودان، وقد كان من ضمن المواد الدراسية المقررة علينا مادة بعنوان "سينمار" وكان موضوعها علاقات السودان مع أمريكا وأسباب الخلافات بينهما، حيث كانت السودان آنذاك مصنفة ضمن قائمة (الإرهاب) أمريكياً، ومفروض عليها حصاراً أمريكياً، وكان في تلك الفترة يجري حوار غير مباشر بين السودان وأمريكا عبر وسطاء لتحسين العلاقة بينهما وكسر الحصار المفروض على السودان، وكانت أمريكا مقدمة مجموعة من الشروط على السودان تنفيذها قبل أن تخطو أمريكا أي خطوة على طريق تحسين العلاقات بينهما، وكانت السودان قد نفذت بعضها!
وكان الدكتور الذي يدرسنا تلك المادة مسئول الشئون الأمريكية في وزارة الخارجية، وهو بدرجة سفير، وقد قضى عشرون عاماً من عمره في أمريكا نفسها، ودرس في جامعاتها، ولديه علاقات جيدة مع أهل العلم والسياسة هناك، من أمريكيين وجنسيات أخرى في أمريكا، وللحق أستاذ قدير علماً وخلقاً، وكان ودوداً في تعامله، وذلك ما شهد له به بعض من التقيتهم من زملاءه سنوات الدراسة الجامعية.
وأثناء المحاضرات كنت متشدداً في موقفي من الحوار ومعترضاً على مبرراته للحوار مع أمريكأ، إلى درجة ظن معها أني أرفض الحوار من حيث المبدأ! فطلب مني أن أزوره في مكتبه في وزارة الخارجية لنكمل النقاش والحوار بحرية أكثر، ووقت أوسع. وبيني وبين نفسي ألتمست له العذر فهو مثله مثل كثيرين يبنون مواقف مسبقة من أصحاب الاتجاهات الإسلامية قبل الحوار معهم وسماعهم، ولا يحاولون من خلال الحوار وضع أسس لفهم مشترك حول بعض قضايا الحوار، تكون نقاط مشتركة أو مفاهيم واضحة متفق عليها معهم حول تلك القضايا.
وبعد فترة من النقاش والحوار اكتشف أنني لست ضد الحوار مع أمريكا أو غيرها، ولكنني ضد الحوار غير المتكافئ، أو بمعنى أدق، ما قلته له بالحرف:
"أنا لست ضد الحوار ولكن ضد التنازلات بدون تنازل مقابل"!
فقال: "إذن نحن متفقان ولسنا مختلفان"! قلت: "متفقان على المبدأ ومختلفان في الممارسة"! فسأل كيف؟! أجبت: "أنت مع اتفاقك معي على مبدأ عدم التنازل إلا أنكم تنازلتم كثيراً ونفذتم بعضاً مما طلبته أمريكا منكم إلى درجة أساءت إلى مصداقيتكم لدى الكثيرين ممن كانوا يثقون بكم، وفي المقابل لم تحصلوا من أمريكا على أي تنازل أو مقابل". قال: "نحن نتنازل نعم ولكن تنازل محسوب، فهو إلى نقطة معينة فإن لم تبادلنا أمريكا بالمثل فسوف نوقف المفاوضات والحوار معها"! قلت: "في هذه الحال تكون أمريكا كسبت وأنتم خسرتم ما تنازلتم عنه، وفقدان ثقة البعض بكم، وعندما تعود المفاوضات ستعود من حيث انتهت لا من حيث بدأت، ولن تطالبوا أمريكا بتنفيذ المقابل لما نفذتموه، على جميع الوجوه المفاوضات غير المتكافئة والمشروطة لا تخلو من الخسائر"!
لذلك أنا أرفض الحوار أو المفاوضات في مثل هذا الحال مع أمريكا، لأنني مقتنع أن أمريكا صهيونية - صليبية، تتعامل مع العرب والمسلمين بمنطق الاستكبار والعداء ومحاولة الإذلال لنا فقط! فقال: "اطمئن نحن واعون لذلك وكل خطوة نقدم عليها تكون مدروسة جيداً ومحسوب مدى إيجابيتها وسلبيتها". قلت: "أخشى أن يحدث معكم ما حدث مع العراق، فانظر كم سنة له منذ حرب الخليج الثانية وهو يقدم تنازلات من أجل رفع العقوبات والحصار عنها ولم يحدث، بل كلما قدم تنازل طُلب آخر ومسلسل التنازلات لا ينتهِ، لذلك أنا مع المفاوضات والحوار وضد التنازلات"! وأنهَ حديث يومها مطمئناً لي أن تنازلاتهم مدروسة ومحسوبة.
وعن نفسي تبقى قناعتي أن التنازل هو التنازل ما لم يقابله تنازل بالمقابل! وقد انتهى الحوار بينهما بعد فترة قصيرة إلى طريق مسدود، رغم ما قدمه السودان من تنازلات ذهبت أدراج الرياح ولم يجني منها أي فائدة تذكر! وإذا ما تأملنا أو درسنا إلى أين تفضي سياسة التنازلات والمفاوضات التي لا تقوم على أسس صحيحة وفرص متكافئة انظروا إلى مفاوضات وتنازلات الفلسطينيين مع العدو الصهيوني إلى أين أفضت سواء، السلطة الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو بتاريخ 13/9/1993، أو حماس منذ توقيع أول تهدئة باسمها عام 2008؟!
المفاوضات مع العدو الصهيوني مرفوضة من حيث المبدأ!
وبعد أن تسربت أخبار عن اتصالات بين بعض الأحزاب السودانية وخاصة حسن الترابي والمسئولين السودانيين مع العدو الصهيوني حول محاولة شراء العدو جزءً من حصة السودان في مياه النيل التي لا تستغلها؛ لم يكن حديثنا حول ذلك الموضوع في مكتبه في الوزارة، فقد انتهى بما سبق عن المفاوضات والتناولات مع أمريكا، ولكن كان في الكلية أو أثناء طريق عودته من الجامعة إلى الوزارة بعد انتهاء محاضرته، حيث كنت أوقات أروح معه فسكني كان في طريقه.
سألني يومأً عن المفاوضات مع العدو الصهيوني؟! فكان ردي قاطع: عن نفسي ضد المفاوضات مع العدو الصهيوني تحت أي ذريعة أو مبرر. ولا أقبل كلمة تنازل فيها من أي طرف كان! وذكرت له قوله تعالى: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ" (المائدة:82).
وقوله تعالى: "إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة:9).
من خلال التجربة والواقع ونتائج مفاوضات سابقة مع العدو الصهيوني أرفض أي مفاوضات معه، لأنها كلها خسرنا فيها! بدءً من الهدنة الأولى والثانية عام 1948 مع العصابات الصهيونية، فقد منحتها الوقت الكافي لتغيير معادلة الحرب وتحويل هزائمها إلى انتصارات وإقامة الكيان الصهيوني على 78% من فلسطين سايكس – بيكو ولا أقول التاريخية مثل كثير ممن يجهلون تاريخ فلسطين. وهدن عام 1949 التي وقعتها الجيوش العربية التي دخلت فلسطين عام 1948 لتحريرها فانتهت بتسليمها وتوقيع كل جيش هدنة مفردة مع العصابات الصهيونية مكنتها من تأسيس (دولة) تستعصي في نظر الأنظمة الآن على الكسر وتطالب بالاعتراف بها!
ووقف إطلاق النار على الجبهة المصرية أثناء حرب رمضان/أكتوبر 1973 التي مكنت العدو الصهيوني من سحب قواته ومعداته من الجبهة المصرية إلى الجبهة السورية، واستعادة ما تحرر من الجولان ذات الموقع الاستراتيجي الذي يشكل فقدانه خطراً استراتيجياً على وجوده وأمنه، وكاد يدخل دمشق!
... يُتبع
تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة "Nasher Sahafi" في مجموعات Google.
لإلغاء الاشتراك في هذه المجموعة وإيقاف تلقي رسائل الإلكترونية منها، أرسل رسالة إلكترونية إلى NasherSahafi+unsubscribe@googlegroups.com.
لعرض هذه المناقشة على الويب، انتقل إلى https://groups.google.com/d/msgid/NasherSahafi/CAJ1YmRHn8GAqip7jNZAnMR5D0VCn2q7H1xRT44SsOS5fH7mHkQ%40mail.gmail.com.